فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17102 من 53113

ومن مظاهر النقص في منهج التحقيق هنا أن المحقق وقد أفرد مجلدًا يقع في (500 صفحة) وجعله مقدمةً ودراسةً للتفسير ومؤلفه = لم يذكر شيئًا عن مخطوطات الكتاب , وإنما أخبر بقصة وقوفه عليه ورجوعه إلى بعض فهارس الكتب والمخطوطات لإثبات نسبة الكتاب إلى مؤلفه , ثم في مقدمة الجزء الأول من التفسير ذكر باختصار هذه المخطوطات مع صورٍ قليلة منها , وقد اجتنب في تصوير النسخة الثالثة ما يشير إلى اسم الطبراني الذي كتبه الناسخ في مواضع عديدة منه. كما خلا هذا العمل من المقارنة بين النسخ الثلاث , وهي مرحلة لازمة من مراحل التحقيق , وأولى منها وألزم أن يحدِّد أيَّ نسخة منها هي المعتمدة في العمل , والمقدمة في الإثبات , وهذا ممَّا أغفله المحقق أيضًا فظهر أثره في مواضع لم تخلُ من سقط وتصحيف (9) , ولا أدري ماذا بقي للمحقق ليعمله بعد ذلك؟! فإن أعظم جهد المحقق إنما يصرف في ذلك , وهذا هو معنى اسم"التحقيق".

-وأمَّا محقق تفسير الطبراني فقد ظهر من استعجاله في نسبة هذا المخطوط إلى الطبراني دون تثبتٍ كافٍ , ومن عدم احتفاله بكثير من الإيرادات التي أوردها جملةٌ من الفضلاء على هذه النسبة , ومن التمَحُّل في الإثبات بما لا دليل فيه , ومن القطع في مقام الاحتمال , ومن المغالطة في الرد = ما جعل عمله هذا مثالًا لعدم التوفيق , ولتحقيقٍ يحتاجُ إلى تحقيق.

وفي سقوط هذا العمل من أصله ما يغني عن تعداد المآخذ المنهجية عليه مع كثرتها وظهورها , إلا أن ما لا ينبغي إغفاله من ذلك أمرين:

أولهما: الغفلة الظاهرة عن اعتبار منهج العلم والتأليف في زمن الطبراني رحمه الله , وكذا الغفلة عن منهج الطبراني نفسه في تآليفه , فواقع هذا التفسير لغةً وأسلوبًا لا يمكن انطباقه على ذلك الزمن , وعلى تآليف الطبراني المحدِّث على الخصوص. واعتبار زمن التأليف وثقافة المؤلف ومنهج الكتابة في زمنه من الشروط الواجب اعتبارها في التحقيق.

ثانيهما: تجاهل النقول الوافرة عمَّن عاشوا بعد زمن الطبراني بسنين وبعضهم بقرون؛ ففيه النقل عن أبي الطيب سهل بن محمد العجلي الحنفي (ت404هـ) , والإمام الثعلبي المفسِّر (ت427هـ) , واللغويّ أبي منصور الثعالبي (ت430هـ) , والفقيه الحنفي عبدالصمد الغزنوي (ت723هـ) , وحين حاول المحقق إصلاح ذلك أتى بشرٍّ ممَّا ترك , فجعل من مات بعد الطبراني بخمسين أو سبعين سنة معاصرًا له , وجعل من ذُكِرَ بعد ذلك - كالغزنوي - ممَّا أقحمه الناسخُ في النص , فحذفه من النص , وأشار في الحاشية إلى أنه من تَصَرُّف الناسخ؛ لأنه ليس من أسلوب المصنف , وقد بلغ ما حذفه في إحدى المواضع عشرة أسطر (10) , وفي موضع آخر حذفه منه فأفسد المعنى , ولم يُشر إلى ما فعل (11) , واعجب لهذا الصنيع! إذ كيف يأتمنُ المحققُ الناسخَ على اسم المخطوط وهو أجل خطرًا , وأعظم أثرًا , ولا شيءَ يعضده , ثم لا يأتمنه على النص , ويتهمه بالزيادة فيه بلا دليل؛ إلا أن النص المذكور لا يوافق ما بنى عليه المحقق عمله , فلابد من التصرف فيه ولو بتحميله للناسخ.

إن كُلَّ كلمة في النص المخطوط أمانةٌ بيد المحقق , والمحقق الأمين لا يجرؤ على تضييعها , وإن الرغبة المُلِحَّة في إخراج تراث أئِمَّتنا الجليل , لا تكفي دافعًا ولا شافعًا في الإعراض عن أصول التحقيق وآدابه المعتبره , ومن عانى التحقيق وخبره يعتصره الأسى ممَّا يرى من تتابع من ليس من أهله عليه , وجرأتهم على اقتحامه , وكم لهم في شكوى هذا الصنف من آهات مسطورة (12) .

على أن ذلك لا يثني الجادين في فن التحقيق وأهل التخصص من أن يؤدوا حقَّ العلم عليهم , ويظهروا ما خفي من آثار أسلافهم , ويبذلوا في ذلك غاية جَهدهم , مُتحَلِّين بأصول هذا الفن وآدابه , فهناك يُحمَد كل جُهد , ويُثمِر كل أَثَر , ويُعذَر من لم يوَفَّق.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت