فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17975 من 53113

الكريم. والمدارسة القرآنية لها منهجها الخاص الذي به تتم، وهو منهج يقوم على قاعدتين:

* القاعدة الأولى: قاعدة: «اقرأ وتدبر ثم أبصر» ، وهذه القاعدة تهم الدارس للقرآن بمفرده، وتهم المجتمعين لمدارسته؛ فهي السبيل لاستخلاص الهدى المنهاجي من القرآن الكريم، وبيانها في حقيقتين:

أ ـ حقيقة واجب التحقق بالقرآن: والمراد بها: التحقق بالقرآن فهمًا وإدراكًا وعلمًا، إذ بهذا التحقق يستقيم الفكر ويصح الفهم عن الله تعالى، ولا يتم هذا إلا بالقراءة أولًا ثم التدبر ثانيًا؛ القراءة بمعنى التلاوة، لقوله - صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ... » ، والتدبر بمعنى التأمل والتفكر في المقروء، لقوله ـ تعالى ـ: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24] . إنه تدبُّر يتجاوز مرتبة دائرة التدبر بالعقول إلى مرتبة التدبر بالقلوب ليتحقق بذلك الإبصار، وهو إبصار يتجاوز الإبصار الفردي إلى الإبصار الجماعي للبصائر القرآنية وهداياته المنهاجية.

ب ـ حقيقة واجب التخلُّق بعد التحقُّق: وهي حقيقة تخص الفرد الدارس والجماعة، وسبيلها التبصر بعد القراءة والتدبر والإبصار. والإبصار هنا:

ـ إبصار العقول الواعية والقلوب الحية للطريق المستقيم والمنهاج القويم. قال ـ تعالى ـ: {قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} [الأنعام: 104] .

ـ وإبصار للنور القرآني والهدى الرباني وتبصر بهما: {وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52] .

ـ إبصار للميزان الذي به يعرف الحق من الباطل، والهدى من الضلال، والنور من الظلام: {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 20] .

ـ وإبصار لمنهج القراءة العام: {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] ، سواء أتعلق الأمر بقراءة الوحي أم بقراءة الأكوان والمخلوقات؛ فالمقروءات كلها ينبغي أن تقرأ باسم الله حتى يتحقق المقصود منها وتعرف أسرارها.

ـ وإبصار لحقيقة الله ـ تعالى ـ خالق كل شيء، وحقيقة غيره من المخلوقات، وذلك بالرحيل من الأكوان المخلوقة إلى عظمة المكون الخالق سبحانه وتعالى.

ـ وإبصار للأولويات وتبصّر بالعمل بها، وإبصار لمنهج العدل القرآني ولمنهج تسخير السنن الكونية وعمارة الأرض بما ينفع الناس؛ فإرسال الرسل وإنزال الكتب إنما كان القصد منهما ذلك. قال ـ تعالى ـ: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25] .

وخلاصة الأمر، فإن المراد بحقيقة التخلُّق: التخلق بالهدى المنهاجي المستنبط من الوحي، وذلك بالاهتداء بهدايات القرآن، واتباع منهجه والاستقامة عليه، {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا} [هود: 112] . فالاتباع والاستقامة هما سبيل الفلاح في الدنيا والآخرة، قال ـ تعالى ـ: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] .

* القاعدة الثانية: قاعدة: «أخذ القرآن بمنهج التلقي» (1) ، فالواجب على الدارس للقرآن فردًا كان أو جماعة يجتمعون في مجلس للمدارسة .. ، الواجب عليهم جميعًا أن يتعاملوا مع القرآن بهذه القاعدة المنهجية في تلقّي القرآن، فالتلقي هنا تلقٍّ خاص، المراد به: استقبال القلب للوحي، وهو على ضربين:

ـ استقبال على سبيل النبوة؛ وهو خاص بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، لقوله ـ تعالى ـ: {وَإنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النمل: 6] ، فهو تلقٍّ لرسالة الوحي من الله تعالى، اقتضته طبيعته: {إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5] .

ـ واستقبال قلبي للوحي على سبيل الذكر؛ وهو عام في كل مؤمن أخذ القرآن بمنهج التلقي وقصد به التذكر: {إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} [المزمل: 19] .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت