ـ [فهد محمد النميري] ــــــــ [14 - Aug-2008, صباحًا 09:47] ـ
أيها الإخوة الكرام -أحسنَ الله إليكم ورضي عنكم- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .... وبعدُ:
فلقد فرحتُ بما تكرمتم به من إجابات تُنبي عن علمٍ وفهمٍ وأدبٍ -زادكم الله رفعةً في الدنيا والآخرة-, وهي -أي الإجابات- قد فتحت ذهني وذكّرتني بإشكالاتٍ قديمة حيثُ أنني من عُشّاق علم أصول الفقه ولكني -مع الأسف والحسرة- طلبته طلبًا شبهَ ذاتي لظروفٍ خاصة؛ وهو ما جعلني أُعاني في ذلك كثيرًا, لذلك ما إن رأيتُ إجاباتكم حتى لمعت فكرةُ عرضِ فهمي لبعض المسائل عَلّي أن أظفر منكم بتوجيهٍ أو تنبيه أو تصويب وهو ما يفسرُ الطول في الكلام وتغيير الصيغ حتى أتحقق من عرض فهمي كما أُريد وبلا أي احتمال, وهو -والله- السببُ (الوحيد) في ذلك, وسأعرض إشكالاتي على إجاباتكم حسب التقدم في النشر, وهي كما يلي:-
إن أذنتم لي أخي الكريم أبا عائشة -بارك الله فيك وأحسن إليك- بمزيدٍ من الاستفسار عن تلكم الأمثلة التي ذكرتموها؛ ففي الأمثلة ما الفرق بين المقصد والعلة؟
-وهل صحيحٌ أن فهمَ المقاصد هو الذي يُعينُ على تعيين العلل في جزئيات المسائل القياسية؛ أي أن إدراك العلل فرعٌ عن إدراك المقاصد ولأجله طرقَ الأصوليون موضوع المقاصد؟
-وهل صحيحٌ -أيضًا- أن المقاصد العامة (الخمس أو الست) التي نصَّ عليها الأصوليون دلَّ عليها استقراء جزيئات الشريعة والتي هي (منتجات مدارك الشرع التي هي أصول الفقه) ودلَّ عليها -أيضًا- ما فُطر عليه الناس من قصد المصالح وتجنب المفاسد وعلى ذلك جرى البشر حتى عند الذين لا يتدينون بشرع منسوبٍ إلى السماء؛ لأنه قد أشكل عليَّ هل الذي عيَّنَ المقاصدَ هو العقل الذي لم يعارضه الشرع أم الشرع الذي أيده العقل؟ -لعل هذه من فروع مسألة التحسين والتقبيح العقلي-
-يشكلُ عليَّ الفرق بين قاعدة المصالح والمفاسد وبين المقاصد العامة للشريعة (الخمس أو الست) ؛ لأني أفهمُ أن المقاصد تنتظمها قاعدةُ المصالح والمفاسد؛ فهل القاعدة صياغة جديدة مختصرة للمقاصد والتي صاغها ولخصها -من قبلُ- أئمة الفقهاء المالكيون -رحمهم الله تعالى- فتصيرُ حلقةً في سلسلة التطور التي لا تنفكُّ عنها العلوم الحية.
أما الأخ الكريم طالب الإيمان -بارك الله فيك وأحسن إليك- فاسمحْ لي أن استزيدك بيانًا عما تفضلتَ -مشكورًا مأجورًا- بذكره:-
-ماذا لو قيل: إن الشورى جاء بها النص وأيدته المقاصد وأكدته قاعدة المصالح والمفاسد؛ هذا من حيث أصل الشورى؛ أما تطبيقاتها وأشكالها فهو أمرٌ تمليه التجربة البشرية ومعلومٌ أنها متغيرة أو متطورة على الدوام؛ فكلُ ما كان أقربَ لتحقيقها على الكمال أو على قربِهِ فهو مطلوبٌ شرعي والقاعدة -بعد التحوير- تقول: إن ما لا يتم كمال الواجب إلا به فهو واجب؛ بل إن دليل هذا القاعدة ذاتها هي القاعدة العامة في المصالح والمفاسد.
-ذكرتم مثالًا الإيمان ولكن فيه غموض لذا لم أفهمه؛ فأرجو مزيدَ بيانٍ لأنني أشعرُ أنه تخريجٌ بديع.
-مثال القتل للردة ومعارضته لعموم"لا إكراه في الدين"ألا يتخرج (أيضًا) على مسألة معارضة خبر الآحاد للأصول والمقررة عند المالكية والحنفية -رحمهم الله تعالى-
-مسألة الحساب إن عارض الرؤية لم أفهم كونَه من باب المقاصد؛ أليس من باب تعارض الدليل الخبري الظني مع الدليل العلمي القطعي، وأعني بالدليل الخبري إما شهادة الشهود أو أصل النص؛ ولكن قد يُقال: إن النص من المتواتر المعنوي الذي يُقطع بنسبة مدلولها -أي الرؤية- إلى الشرع ومثل هذا لا يُقال فيه تعارض ظنٍ وقطعٍ بل الأمر تمحّض -عند المؤمنين- للشرع وحده؛ وقد يُقال -أيضًا-: إن الشرع أمر بالأخذ بالرؤية لمّا كانت هي الوسيلة (التجريبية) الوحيدة وبهذا تكون الرؤية أداة تجريبية لا تعبدية شرعية متعينة وبظهور الحساب الفلكي ينتهي العمل بها -أي بالرؤية-, وربما يؤخذ هذا التعليل من قوله عليه الصلاة والسلام:"إنا أُمة أمية ... إلخ الحديث الشريف"أي فكانت الرؤيةُ أداتَهم الوحيدة لأنهم كذلك؛ فلمّا تغيرت الأميةُ بالعلم لزمَ تغير الوسيلة كذلك فلم تَعد الأمة أميةً الآن فلا تأخذ حكمَ الأمة الأمية. -والله تعالى أعلم-
-قولكم:"فمنهم من يعتقد أنه الجبل الأشم والعمود الأساس" (وهي -بالمناسبة- صياغة أدبية جميلة) , لاشك أن هذا قول من يُعللُ بالمقاصد مطلقًا ومتى ما رأى تعارضًا بين المقصد والدليل لجزئي أخذ بالمقصدِ حثيثًا ولم يلتفت. وأشكلَ علي العطفُ بين المذكورات والذي يقتضي التغاير: بين المصالح والمفاسد والأولويات والقواعد العامة والنظريات الفقهية؛ أليست كلها تُستقى من معين قاعدة المصالح والمفاسد أو المقاصد. وأيضًا ما الفرقُ بين من يجعلها جبلًا أشمًا وعمودًا أساسًا وبين من يجعلها مرجحًا؛ لأنهما سيعتمدانها في النهاية ولن يلتفتا إلى المعارض الجزئي؛ إلا أن يُقال: إن الأول بنى الحكمَ عليها -على المقاصد- لأول وهلة (وهل يصح هذا مسلكًا اجتهاديًا) ؛ أما الثاني فنظرَ إلى الأدلة على السَنن المعروف ثم ظفِر بدليلٍ عارضَه مقصدٌ فترك الجزئيَ للكلي من باب الترجيح.
أخيرًا أُكرر الاعتذار عن الإطالة وما حملني على ذلك إلا طلب الفائدةِ ومزيدِ تدارسٍ استفيدُ منه واستنيرُ به, وأنا انتظر جوابكم بلهفة,
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(يُتْبَعُ)