وَقَدْ تعرض هذا الإمام الجليل فِي كتابه الفذ الرائع إِلَى ركائز علم أصول الفقه مقعدًا ومستدلًا ومستشهدًا.
فقد كَانَ رضي الله عَنْهُ يفرد لكل مبحث أصولي بابًا مستقلًا لَهُ ثُمَّ يبدأ بشرحه وتعريفه والاستدلال لَهُ، ثُمَّ التمثيل لَهُ بأمثلة لنيل المقصود مِنْهَا، ولتكون أوضح لطالب علم أصول الفقه.
وَقَدْ يعود معرجًا باختصار عَلَى هَذَا الباب بعد أن أنهى الكلام عَنْهُ - إذا استوجب الأمر إعادة -، وسيرى القارئ الكريم لكتاب"الرِّسَالَة"أمثلة كثيرة لما قدمناه.
وكان عرضه لمادته العلمية عرضًا بديعًا عَلَى طريقة المناظرات العلمية، والتي لا يخفى مدى رسوخها فِي الْعُقُول؛ لأنها تعرض الرأي ونقيضه وكذلك أدلة كل طرف من الأطراف المتحاورة.
ومن المباحث الأصولية التي سبر غورها الإمام الشَّافِعِيّ فِي كتابه هَذَا، مباحث البيان، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ، ومباحث السنة النبوية وموقعها من التشريع وفروعها وعللها وكثير من مصطلحاتها وما يتعلق مِنْهَا بعلم الأصول كخبر الآحاد والمتواتر، وكذلك مباحث الإجماع، والقياس، والاجتهاد، والاستحسان، والاختلاف.
ومفسرًا لكثير من الآيات القرآنية وموردًا لعدد كثير من الأحاديث المسندة، وشارحًا لمعنى كثير مِنْهَا.
وَقَد أجاد الإمام أيما إجادة فِي دفاعه عَن السنة النبوية المصطفوية، وردَّ عَلَى كل من شكك بها أو حاول الانتقاص مِنْهَا.
وفي كثير من مباحث الكتاب أعمل هذا الإمام الجليل الجهبذ فرائد الفوائد والقواعد فِي استنباط الأحكام الشرعية، مما يعين الباحث الخبير الفهم، عَلَى الاستنباط والاستخراج زيادة عَلَى أنه مَدْربٌ مهمٌ للفقيه والمحدث؛ يعين الفقيه عَلَى كيفية استخراج الفوائد من النصوص الشرعية، وكيفية الترجيح والتوفيق بَيْنَ النصوص والأدلة.
وبعد هذا، فالكتاب يجعل القارئ لأول وهلة يتبصر ويتعرف عَلَى تمكن قدم هذا الإمام الجليل ومعرفته الثاقبة واطلاعه الواسع وقدرته الكبيرة فِي فهم النصوص الشرعية.
وكل من يقرأ مؤلفات الشَّافِعِيّ بتبصر وتمحيص ونظر ثاقب يعلم حق العلم أنه
-رحمه الله- جمع علوم القرآن، والسنة ويدرك أن لَهُ من الإحاطة الشيء الكثير الكبير ومن المعرفة والتفنن الشيء الواسع.
ومع كل ما منحه الله تعالى من الصفات وما حباه به من الهيئة الوقورة والسمت الحسن والأدب الرفيع مع العلم والعلماء كَانَ شديد الاعتماد عَلَى ما يثبت من الأحاديث ولا يتساهل فِي الأخذ من الأخبار فطريقته وصنيعه وتعامله مع الأخبار والأحاديث
كَانَتْ طريق محقق بارع وجهبذ خبير ناقد.
وَقَدْ تشرفنا بخدمة هذا الكتاب النفيس بتكليف من الحاج مُحَمَّد علي بيضون - أمدّ الله عمره - لخدمة هذا الدين الحنيف عَنْ طريق نشر العلم الشرعي، وخدمة كنوز هذه الأمة المحمدية؛ إذ عَلَى الرغم من جودة طبعة العلامة محقق مصر الشَّيْخ أحمد مُحَمَّد شاكر إلا أنَّهُ -رَحِمَهُ اللهُ-لَمْ تتوفر لَهُ من المصادر مِثْل المصادر الَّتِي توفرت لدينا سواء أكانت فِي أصول الفقه أم فِي الفقه أم فِي الْحَدِيْث؛ ولأهمية هَذَا الكتاب النفيس الْعَزِيزِ رأينا أن نعيد تحقيقه عَلَى أفضل الطرائق العلمية التحقيقية؛ فاستعنا بتوفيق الله عَلَى ذَلِكَ وشمرنا عَنْ ساعد الجد فبذلنا فِي تحقيق هذا الكتاب النفيس غاية الجهد، ونقبنا عَنْ مسائله بطون مئات الكتب من الفنون المتعددة المختلفة، فشرحنا المسائل الأصولية وعلقنا عَلَى القضايا الفقهية، وشرحنا استنباطات الشَّافِعِيّ ونظره الدقيق، وبينا كيفية استدلاله، وشرحنا قضاياه اللغوية والمذاهب المتنوعة التي كَانَ يستخدمها فِي طريقته وفي كلامه.
أما الصنعة الحديثية فهي تخصصنا الَّذِي قضينا فيه سني عمرنا؛ فأعملنا جميع طاقاتنا فِي التنقيب والتنقير عَنْ موارد الشَّافِعِيّ والكتب التي استقى مِنْهَا وبينا بإيضاح من روى عَن الشَّافِعِيّ استتمامًا للفائدة ومبالغة فِي التوثق من صحة نص الكتاب، وكان التخريج عَلَى طريقة الاستيعاب، فحاولنا استيعاب جميع طرق الْحَدِيْث، ثُمَّ بينا بالحكم الدقيق ما يليق بهذه الأحاديث من أحكام تتعلق بالصحة والضعف.
ولم تكن خدمتنا قاصرة عَلَى المتن، بل ذيلنا الكتاب بما يخدمه من فهارس متنوعة تسهل عَلَى القارئ الرجوع إِلَى الموضع المراد.
وَقَدْ قدمنا بَيْنَ يدي الكتاب دراسة نراها كافية كمدخل إليه تناولنا فيها الكلام عَن اسمه ونسبه وولادته وأسرته ونشأته ورحلاته فِي طلب العلم، وتحدثنا عَن شيوخه وتلامذته وذكرنا الكلام عَنْ تواضعه وورعه وعبادته وتحدثنا عَنْ مكانته العلمية: محدثًا فقيهًا أصوليًا طبيبًا لغويًا، وتكلمنا عَن مناظراته، وعن تطور مذهبه ونشأته، وتحدثنا عَن مناقبه ومصنفاته ثُمَّ أعقبنا الكلام عَنْ وصيته ووفاته والمراثي التي قيلت فيه. ثُمَّ ختمنا الدراسة ببيان منهج التحقيق.
ولم نطل مقدمتنا بالتعريف لهذا الكتاب ومؤلفه؛ إذ أحلنا بعض المباحث إِلَى مقدمتنا لمسند الإمام الشَّافِعِيّ بترتيب الأمير سنجر الجاولي وذكرنا هناك ما لم نذكره هنا عَلَى أن الباحث الجاد لا يستغني بهذه المقدمة عَن تلك.
وبعد:
فهذا كِتَاب"الرِّسَالَة"للإمام الشَّافِعِيّ أحد أساطين العلم نقدمه لمحبي المصطفى صلى الله عليه وسلم السائرين عَلَى هديه الراجين شفاعته يوم القيامة، قَدْ خدمناه الخدمة التي توازي تعلقنا بسيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، بذلنا فيه ما وسعنا من جهد ومال ووقت، ولم نبخل عَلَيْهِ
بشيء، وكان الوقت الَّذِي قضيناه فيه كله مباركًا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام عَلَى سيدنا مُحَمَّد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إِلَى يوم الدين.
(يُتْبَعُ)