فهرس الكتاب

الصفحة 613 من 8348

بخلاف الأول فإنه يكون معطلًا وإن لم يقصد التعطيل بالذات؛ فهو آثمٌ ومحتال، وحيلته من جنس حيلة الذين اصطادوا الحيتان يوم السبت وحيل المنافقين والمرائين؛ فليحذرن، قال الشاطبيّ رحمه الله في الموافقات عن ضابط الحيلة المحرّمة: «ما هدم أصلًا شرعيًا وناقض مصلحةً شرعيةً» .

أمّا ذاك المستظرف الذي سلك طريقًا آخر، فإنَّ أحدًا لا يقدر على أن يُوْقِع عليه اللوم، وهو وإن احتال إلاَّ أنَّ حيلته ليست من جنس حيلة المحتال المعطل لحدود الشريعة؛ أو المضيع لحقوق الخلق ولمقصد الشريعة، ولكن قد يكون في مثل هذا التصرف في بعض المسائل ما يقدح في مروءة الشخص، ولعل هذا القسم هو محل الاجتهاد والإشكال والغموض الذي اضطربت فيه أنظار النظّار والله تعالى أعلم، ولنصطلح على تسمية ما هدم أصلًا شرعيّ أو مصلحة مرعية بالحيل، والمخارج على ما كان الغرض منه الخروج من الضرر مع مراعاة الشريعة ومصالحها بالبحث عن طريقة أو وسيلة مشروعة ليزول الإشكال، وإن لم يراعي القدماء هذا التفصيل.

هامش

الحيل هي المخارج ولا فرق، لأنَّ المخارج هي كل ما يتوصل به إلى التخلص من المضايق من غير مخالفة مقصود الشارع، وهذا معنى الحيلة في المعنى الخاص، لأن الحيل المحرمة لا تسمى مخارج؛ ولا يعني بها الفقهاء، أما الحيلة في معناها العام فإنها تختلف عن المخارج؛ لأنها حينئذ تكون أعم من المخارج؛ فهي تشمل الجائز والمحرم، انظر في ذلك كتاب الحيل الفقهيّة للدكتور صالح بوبشيش صفحة 28

وكان الشيخ محمد الطاهر بن عاشور شيخ جامع الزيتونة رحمه الله قد وضح ذلك في كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية» ، إذ حصر الذم في التحيّل، قال: اسم التحيّل يفيد معنى إبراز عمل ممنوع شرعًا في صورة عمل جائز، أو إبراز عمل غير معتد به شرعًا في صورة عمل معتد به لقصد التَّفَصِّي من مؤاخذته، فالتحيّل شرعًا هو ما كان المنع فيه شرعيًا والمانع الشارع .

قال: وأما السعي إلى عمل مأذون بصورة غير صورته أو إيجاد وسائله، فليس تحيلًا ولكنه يُسمى تدبيرًا أو حرصًا أو ورَعًَا ، ثم ضرب أمثلة لما ذكر.

قال: وعند صدق التأمل في التحيّل على التخلص من الأحكام الشرعية من حيث إنه يفيت المقصد الشرعي كله أو بعضه أو لا يفيته، نجده متفاوتًا في ذلك تفاوتًا أدى بنا الاستقراء إلى تنويعه خمسة أنواع:

النوع الأول: تحيّل يفيت المقصد الشرعيّ كله ولا يعوضه بمقصد شرعيّ آخر، وذلك بأن يُتحيّل بالعمل لإيجاد مانع من ترتب أمر شرعيّ، فهو استخدام للفعل لا في حالة جهله سببًا بل في حالة جعله مانعًا، وهذا النوع لا ينبغي الشك في ذمه وبطلانه ووجوب المعاملة بنقيض مقصد صاحبه إن اطُّلع عليه.

وضرب له مثلًا بالذي وهب ماله قبل مضي الحول بيوم لئلا يُعطى زكاته واسترجعه من الموهوب له من غد، وكالذي شرب مخدرًا ليغمى عليه وقت الصلاة فلا يصليها.

النوع الثاني: تحيل على تعطيل أمر مشروع على وجه ينقل إلى أمر مشروع آخر، أي استعمال الشيء باعتبار كونه سببًا، فإن ترتب المسبب على سببه أمرٌ مقصود للشارع، مثل أن تعرض المرأة المبتوتة نفسها للخطبة رغبةً في التزوج مُضمرةً أنها بعد البناء تُخالع الزوج أو تغضبه فيطلقها لتحلَّ للذي بتَّها، فالتزوج سبب للحل من حكم البتات، فإذا تزوجت حصل المسبب وهو حصول شرعي.

وكذلك الانتقال من سبب حكم إلى سبب حكم آخر، في حين المكلف مخير في إتباع أحد السببين، فعلم أن أحدهما يكلفه مشقة فانتقل إلى الأخف، مثل من له نصاب زكاة أشرف أن يمرّ عليه الحول في آخر شهر ذي الحجة فأوجب على نفسه حجًا أنفق فيه ذلك المال، فصادفه الحول وقد أنفق ذلك المال.

وهذا النوع على الجملة جائز لأنه ما انتقل من حكم إلاّ إلى حكم، وما فوّت مقصدًا إلاّ وقد حصل مقصدًا آخر، بقطع النظر عن تفاوت الأمثلة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت