النوع الثالث: تحيل على تعطيل أمر مشروع على وجه يسلك به أمرًا مشروعًا هو أخف عليه من المنتقل منه، مثل لبس الخف لإسقاط غسل الرجلين في الوضوء، ومثل من أنشأ سفرًا في رمضان لشدّة الصيام عليه في الحر أو مدة انحراف خفيف منتقلًا منه إلى قضائه في وقت أرفق به، وهذا مقام الترخص إذا لحقته مشقّة من الحكم المنتقل منه، وهو أقوى من الرخصة المفضية إلى إسقاط الحكم من أصله.
النوع الرابع: تحيل في أعمال ليست مشتملة على معان عظيمة مقصودة للشارع، وفي التحيل فيها تحقيق لمماثل مقصد الشارع من تلك الأعمال، مثل التحيل في الأيمان التي لا يتعلق بها حق الغير، كمن حلف أن لا يدخل الدار أو لا يلبس الثوب، فإن البر في يمينه هو الحكم الشرعي، والمقصد المشتمل عليه هو تعظيم اسم الله تعالى الذي جعله شاهدًا عليه ليعمل ذلك العمل، فإذا ثقل عليه البر فتحيل للتفصي من يمينه بوجه يشبه البر فقد حصل مقصود الشارع من تهيب اسم الله تعالى.
النوع الخامس: تحيل لا ينافي مقصد الشارع، أو هو يعين على تحصيل مقصده، ولكن فيه إضاعة حق لآخر أو مفسدةً أخرى، مثل التحيل على تطويل عدّة المطلقة حين كان الطلاق لا نهاية له في صدر الإسلام ..
فإذا تقررت هذه الأنواع لدى من يستعرضها بفهم ثاقب ويجعل المكابرة ظهريًا؛ يوقن بأن ما يُجلب لصحة التحليل الشرعي من الأدلة إنما هي أدلة غير متبصر بها، ولا يعسر عليه بعد هذا تنزيلها منازلها وإبداء الفروق بينها.
فالحيلة إذن - كما قال الأمير الصنعانيّ رحمه الله - لفظٌ يقع على معنيين باعتبار الواقع، قال:"حيلةٌ يُطلب بها تحصيل مقصود الشَّارع وإنفاذُ مرادِه كتخليص المظلوم من يد الظالم بالتحيّل لذلك؛ ونصر الدِّين؛ وإغاثة الملهوفين؛ وإبطال الباطل؛ وإمضاء الحق؛ فكل حيلة توصل بها المرءُ إلى دفع الظلم عن نفسه أو عن مسلم أو مُعاهَد أو لإمضاء حقٍّ أو دفع باطل فهي من أنفع طرق الخير وأبرها، وهي نظير المخادعة في الحرب التي أرشد إليها صلّى الله عليه وآله وسلم؛ فإنَّ المخادعة نوع من الحيلة، ومن ذلك قصّة نعيم بن مسعود وإيقافه للأحزاب بكلام ولبني قريظة بخلافه حتى أوقع بينهم وكان بسببه نصرة الدِّين وقصة كعب بن الأَشْرَف ونحوها مما لا يُحصى، فهذا النوع من الحيل لا كلام في جوازه، وقد يكون واجبًا .."
والنوع الثاني: يُطلب بها ما حرَّم اللهُ؛ ورفع ما أوجبه؛ وإبطال ما شرعه؛ ونقض ما أبرمه؛ وهذا محرَّم قد نصَّ الله عليه في كتابه في آيات؛ كقصة أصحاب السبت في تحليل ما حرمه من الصيد وقصة أصحاب الجنَّة في سورة القلم، فكل حيلة توَّصل بها إلى ما هو محرَّم في نفسه فهي حرام؛ ولا تُحلِّل ما حرَّمه اللهُ؛ وهي مخادعةٌ لله؛ ومماكرة ومخاتلة للشريعة، والله تعالى قد سدَّ ذرائع الحرام ..""
إنّ إقدام بعض الخلف إذن على تعييب السلف من العلماء والفقهاء لهو تصرف غير سليم، إذ يجب إحسان الظن بعلماء السلف، ولا يجوز بحال أن نفهم من وضعهم للحيل تجويزًا منهم لها، نعم هم محقون في قسم منها، مع إن الحكمة من وضع الفقهاء للحيل والمخارج كان لعدة أمور:
-التوسيع على المسلمين؛ وإيجاد المخارج لهم عند الضيق والمآزق؛ لأن من مهام أهل العلم التوسعة على العوام؛ من غير هدم أصلٍ من أصول الشريعة أو مقصد من مقاصدها؛ أو تحليل حرام؛ أو تحريم حلال؛ أو الاحتيال على دين الله.
-عونًا للقاضي والمفتي، ورفعًا لمشقة الغوص في القضايا التي تحصل بين الناس، فالعوام لا تخفى عليه كثير من الحيل، وكذا كثير من المتعلمين قد يلجأون للتحيل، فيجب تبيين تلك الطرق للقضاة والمفتين بل وللمستفتين، حفظًا للحقوق من الضياع، وصونًا للأعراض من التدنيس، فهي تسد على المحتالين الذرائع وتفسدها بكشفها للعام والخاص، وكما لا يخفى على أحد أنه يوجد في العوام من هو أكثر دهاءً وأبعد نظرًا من كثيرٍ من القضاة.
-الامتحان بالألغاز والأحاجي.
-الطرافة والظرافة؛ كما سموا ذلك اللص باللص الظريف، وهو ذلك الذي ينقب الدار ويأخذ المال ثم لا يخرج به من النقب وإنما يناوله أحدًا غيره في خارج النقب، مع اتفاقهم على تأثيمه وعلى أنه مؤاخذ على تصرفه ذلك والذي هو من كبائر الأمور، فمثل هذا لا يفكر فيه اللص الذي آثر أن يكون مطعمه ومشربه حرامًا ولم يتق الله في الأصل.
والحقيقة أن الأمراء عبر التاريخ كانوا أسبق إلى التذرع بالحيل من العلماء، فهم الذين أثَّروا في العلماء حتى كان منهم من يجتهد ليحتال لأميره، والذي لا شك فيه أنَّ التوسع في باب الحيل ليس هو أكثر ضررًا من نقيضه أَلا وهو الغلو في باب سدِّ الذرائع، وباب سدّ الذرائع له تعلّق كبير بالحيل، لأنَّ كما قلنا آنفًا: «إنَّ الشريعة لا يناط تحقيقها بتعطيلها، ولا يتصور تحقيقها في تعطيلها» ، فخير الأمور أوسطها، وليجعل الإنسان اللهَ على نفسه رقيبًا في جميع أموره، لأنَّ الغلو يؤدي إلى إبطال مقصد الشارع من الصلاح كما هو التحيُّل .
ومن الكتب الجيدة في موضوع الحيل التي اطلعتُ عليها كتاب"الحيل في الشريعة الإسلامية وشرح ما ورد فيها من الآيات والأحاديث"وهو لمؤلف من العلماء المعاصرين وهو الشيخ محمد عبد الوهاب بحيريّ، وقد طبع عام 1394ه، فليراجعه مَن شاء؛
هامش
يقول محمد الطاهر بن عاشور: ومما يجب التنبيه له في التفقه والاجتهاد التفرقة بين الغلو في الدين وسدِّ الذريعة، وهي تفرقة دقيقة، فسد الذريعة موقعه وجود المفسدة، والغلو موقعه المبالغة والإغراق في إلحاق مباح بمأمور أو منهي شرعي، أو في إتيان عمل شرعي بأشدّ مما أراده الشارع بدعوى خشية التقصير عن مراد الشارع، وهو المسمى في السنة بالتعمق والتنطع، وفيه مراتب، منها ما يدخل في الورع في خاصة النفس الذي بعضه إحراج لها، أو الورع في حمل الناس على الحرج، ومنها ما يدخل في معنى الوسوسة المذمومة، ويجب على المستنبطين والمفتين أن يتجنبوا مواقع الغلو و التعمق في حمل الأمة على الشريعة وما يسن لها من ذلك , وهو موقف عظيم، «مقاصد التشريع الإسلامي» صفحة 370.
(يُتْبَعُ)