إن الحمد لله نحمده تعالى ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: قال الله تعالى: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا * وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا * قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف:23 - 26] .
إن المتأمل قصص القرآن يجد دائمًا في نهايتها جملة من الأوامر والتوجيهات الربانية التي تحيي معاني الإيمان، والتي يجب على كل مؤمن أن يعتقدها.
ذكر الله سبحانه وتعالى جملة من هذه الأوامر والتوجيهات الإلهية في خاتمة قصة أصحاب الكهف، وكان مما ذكر مدة مكثهم، وهذا دليل على وجوب تفويض الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، ورد العلم إليه، والإيمان بصفة العلم التي هي من صفات الرب سبحانه وتعالى، ومن أركان عقيدة المؤمن إيمانه بالأسماء والصفات، قال تعالى: (( قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ) ).
وكذا الإيمان بأن الغيب الماضي والمستقبل يعلمه الله سبحانه وتعالى، فهو وحده الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم الغيب في السماوات وفي الأرض، والمؤمن يعتقد ذلك اعتقادًا جازمًا.
وإذا أخبر الله عز وجل بعض خلقه بشيء منها، فلا تخرج عن كونها من مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله، وأما في العهود الماضية فقد يعلم الله سبحانه وتعالى من شاء من خلقه على تفاصيل لم تقع، وإنما يذكر من ذلك لعباده المؤمنين في كتابه الكريم ما يحتاجونه في أمر دينهم وآخرتهم، ولا يذكر التفاصيل التي لا فائدة منها، فيذكر سبحانه من أنواع الغيوب ما ينتفع به أهل الإيمان.