كانت في حال عدمها قبل حدوثها اشياء واعراضا وان الانسان المكتسب لها لم يجعلها اشياء واعراضا. ونحن نقول إنّ الله عز وجل هو الذي جعل أفعالنا أشياء وأعراضا. وهذا معنى قولنا إنّ الله عز وجل خلق أعمال عباده ومعناه أنه هو الذي جعل اشياء واعراضا. وقد سلمتم لنا أن الانسان لم يجعلها كذلك فالذي نفيتموه عن الإنسان اضفناه إلى الله عز وجل. وقد ضرب بعض أصحابنا للاكتساب مثلا، في الحجر الكبير، قد يعجز عن حمله رجل ويقدر آخر على حمله منفردا به. إذا اجتمعا جميعا على حمله كان حصول الحمل بأقواهما ولا خرج أضعفهما بذلك عن كونه حاملا. كذلك العبد لا يقدر على الانفراد بفعله ولو أراد الله الانفراد بإحداث ما هو كسب للعبد قدر عليه ووجد مقدوره، فوجوده على الحقيقة بقدرة الله تعالى ولا يخرج مع ذلك المكتسب من كونه فاعلا وإن وجد الفعل بقدرة الله تعالى. فهذا قول معقول وإن جهلته القدرية. وإنما المجهول قول ابن الجبائي في هذا الباب، لأنه قال: إنّ الخالق للشيء إنما يخلقه بأن يجعله على حال. ثم لا يصف تلك، بأنها موجودة ولا معدومة، ولا بأنها معلومة ولا مجهولة (فصارت) «1» دعاويه في أحداث الافعال غير معقولة له ولغيره.
واختلفوا في إكساب العباد وأعمال الحيوانات على ثلاثة مذاهب: أحدها قول أهل السنة إن الله عز وجل خالقها كما أنه خالق الأجسام والألوان والطعوم والروائح؛ لا خالق غيره وإنما العباد مكتسبون لأعمالهم.
والمذهب الثاني: قول الجهمية أن العباد مضطرون إلى الأفعال المنسوبة إليهم وليس لهم فيها اكتساب ولا لهم عليها استطاعة وإنّ حركاتهم الاختيارية بمنزلة حركة العروق النوابض في اضطرارهم إليها. والمذهب الثالث: قول القدرية الذين زعموا أن العباد خالقون لأكسابهم وكل حيوان محدث لاعماله وليس لله في
(1) وردت في المطبوع «مضار» .