خلاف قول مخالفينا وإذا بطلت هذه الأقسام ولم يبق إلا الوجود صح جواز رؤية الشيء لوجوده فصح بذلك جواز رؤية كل موجود [والله سبحانه وتعالى موجود فصح جواز رؤيته] . ويدل عليه من الشرع إخبار الله عز وجل عن موسى عليه السلام في قوله:
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ «1» ، ولا يخلو من موسى في حال هذا السؤال من اعتقاد جواز الرؤية عليه أو اعتقاد استحالتها فإن اعتقد استحالتها وسألها فهو كمن سأله أن يتخذه ولدا أو شريكا مع علمه باستحالة ذلك عليه وإن كان اعتقد جواز الرؤية عليه فقد صح جوازها عليه لأن الأنبياء معصومون عن اعتقاد ما لا يليق بالله عز وجل في صفاته. فإن قالوا إنما سأل الرؤية لقومه لأن قومه قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً «2» . قيل لو كان كذلك لقال إن قومي يسألونك أن ينظروا إليك ولقال الله في جوابه بهم: إنهم لن يروني على أن قومه لما سألوا المحال بقولهم:
اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ «3» أجابهم فقال: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ «4» ولم يرجع إلى الله في جوابهم فلو كانت الرؤية مستحيلة عليه لأجاب قومه ولم يرجع فيها إلى سؤال ربه الرؤية لأجلهم. فإن قيل فقوله لن تراني يدل على نفي الرؤية أبدا لأن حرف لن على التأبيد. قيل هو على تأبيد النفي في الدنيا ألا تراه قال: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «5» . ثم قال: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا «6» ، يعني في الدنيا لأن الكافر يتمنى في الآخرة الموت ليتخلص به من العذاب. ومما يدل على رؤية الإله عز وجل في الآخرة قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ «7» . فإن تأولوا الآية على معنى
(1) [وجوده لأنا نرى المرئيات في الشاهد ولم يجز أن يكون جواز رؤية الجوهر لكونه جوهرا] .
(2) سورة الأعراف آية 143.
(3) سورة البقرة آية 55.
(4) سورة الأعراف آية 138.
(5) سورة البقرة آية 94.
(6) سورة البقرة آية 94.
(7) سورة القيامة آية 22.