للفهم، فقلت: قد حصل لى بهذا المجلس المبارك ما رفع عنى حجاب الحيرة، فكم خبطت عشواء لا اهتدى إلى صباح، فالحمد لله الذى أنعم علىّ بكم من كل جهة.
فقال: وبقيت فائدة بها تمام الغرض عملا بقول الصديق رضى الله عنه: إكثار الكلام ينسى بعضه بعضا، وذلك أن تحذو على ما رسمته لأدباء الخزانة فيما يعتمدون عليه متى أمرتهم بتصنيف فيما يتحرك له خاطرى وهو أن يكون المصنف في سفر واحد، والكراريس التى يحتوى علهما اثنتى عشرة على عدد شهور العام، ويكون خطها مما يعمل فيه حساب طول العمر وتغير حاسة البصر، وتكون أسطار كل صفحة منها ثلاثة عشر. هذا انتهاء حجمه إذا كان / كبيرا، فإن كان متوسطا كان انتهاؤه إلى ثمانى كراريس، فإن كان صغيرا كان انتهاؤه إلى أربع.
وهذا الرسم يسهل جمعه على مؤلفه ويقرب حفظه ولحظه على من صنف له.
فقبلت الأرض وانصرفت بهذه الفوائد، وشرعت في ضم ما تشرد عندى من الشذور والوسائط والفرائد، وجعلت ألخص وأختصر كل مجموع لم يكمل تصنيفه وقد كملت عندى مواده، فقرب المرام بذلك الرسم الناصرى، وظهر النجاح على طريقة متبعة، وكان من تلك المصنفات
كنت قد جمعت في مواده كل ما اقتطفته من زهرة، ووقعت عليه من لطيفة، وجعلته منوعا من نكت النثر والنظم والحكايات والأوزان المولدة المعربة والعامية المستعملة بالمشرق، والمستعملة بالمغرب، وقدرت أن يكون في عشرين سفرا من الأسفار الناصرية، فعدت بتلك الوصية إلى مواده وغربلتها إلى أن حصل لى في الخلاصة الأولى منها سفر من الرسم الناصرى، واعتمدت في ترتيبه وتبويبه على أن يكون في أربعة فصول، عدد فصول العام، لكل فصل منها ثلاث خمائل، عدد
شهور كل فصل، تحويها ثلاث كراريس، لكل خميلة كراسة، وكل خميلة مشتملة على أربع طبقات إلا الخمائل الأخيرة التى تشتمل عليها الفصل الرابع، فالخميلة الأولى في الكلام القصير، وحدّه من سطر إلى أربعة، والخميلة الثانية في الكلام المتوسط، وحدّه من خمسة أسطار إلى ثمانية، والخميلة الثالثة في الكلام الممتع، وحده من تسعة أسطار إلى اثنى عشر. وتتميز الطبقات بحسب السطور، فالطبقة الأولى من الكلام القصير ماله سطر والثانية ماله سطران، والثالثة ماله ثلاثة، والرابعة ماله أربعة. والطبقة الأولى من الكلام المتوسط ماله خمسة أسطار والثانية ماله ستة والثالثة ماله سبعة، والرابعة ماله ثمانية. والطبقة الأولى من الكلام الممتع ماله تسعة أسطار والثانية ماله عشرة والثالثة ماله أحد عشر والرابعة ماله اثنا عشر. فالفصل الأول في أزاهر النثر التى تكون من الكلام بمنزلة الملوك من الأنام، والأعياد من الأيام، والصنائف من الأعلام وهو مشتمل على ثلاث خمائل، كأنما أقتطعت من أرض بابل. فالخميلة الأولى في الكلمات القصيرة التى هى كالدرر النثيرة وهى بعد هذا على أربع طبقات على ما رسم. والخميلة الثانية في الكلمات المتوسطة التى هى بالأسماع مرتبطة، وهى أيضا على أربع طبقات كما رسم. والخميلة الثالثة في / الكلمات الممتعة التى ليست عن المحاضرة ممتنعة وهى أيضا أربع طبقات. والفصل الثانى في أزاهر النظم التى تكون من نوادر الشعر بمنزلة الوسائط من العقود، والخيلان من الخدود، والأعلام من البرود، ونشوات الراح من العنقود، وهو يشتمل على ثلاث خمائل كأنما اختلست من وشى الخمائل. فالخميلة الأولى في الأبيات المفردة والمزدوجة والمثلثة والمربعة. والخميلة الثانية في الأبيات المخمسة والمسدسة والمسبعة والمثمنة.