وصرح أبو جعفر الطبري والأكثرون من بعده على أنه حرف منها.
وسننقل من كلام كل منهم ما دل على ما نسبناه إليه:
ومال الشيخ الشاطبي إلى قول القاضي فيما جمعه أبو بكر، وإلى قول الطبري فيما جمعه عثمان رضي الله عنهما، ودل على ذلك أبياته المتقدمة، والحق أن يلخص الأمر في ذلك فيقال: المجموع في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به، وهو ما كتب بأمر النبي صلى الله عليه وسلّم، أو ثبت عنه أنه قرأ به أو أقرأ غيره به.
وما اختلفت فيه المصاحف حذفا وإثباتا، نحو {تَحْتَهَا} [التوبة: 100] ، {هُوَ الْغَنِيُّ} [الحديد: 24] ، {فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] فمحمول على أنه نزل بالأمرين، وأمر النبي صلى الله عليه وسلّم بكتابته على الصورتين لشخصين أو في مجلسين، أو أعلم بهما شخصا واحدا وأمره بإثباتهما.
وأما ما لم يرسم فهو مما كان جوّز به القراءة، وأذن فيه، ولما أنزل ما لم يكن بذلك اللفظ خير بين تلك الألفاظ، توسعة على الناس وتسهيلا عليهم، فلما أفضى ذلك إلى ما نقل من الاختلاف والتكثير اختار الصحابة رضي الله عنهم الاقتصار على اللفظ المنزل المأذون في كتابته، وترك الباقي للخوف من غائلته، فالمهجور هو ما لم يثبت إنزاله، بل هو من الضرب المأذون فيه بحسب ما خفّ وجرى على ألسنتهم.
قال الإمام أبو جعفر الطبري [1] :
«الأمة أمرت بحفظ القرآن، وخيرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت. كما أمرت، إذا هي حنثت في يمين وهي موسرة، أن تكفر بأي الكفارات الثلاث شاءت: إما بعتق أو إطعام أو كسوة. فلو أجمع جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث دون حظرها التكفير فيها بأي الثلاث شاء المكفر، كانت مصيبة حكم الله مؤيدة في ذلك الواجب عليها من حق الله فكذلك الأمة أمرت بحفظ القرآن، وخيّرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت: فرأت لعلة من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد قراءته بحرف واحد، ورفض القراءة بالأحرف الستة الباقية، ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه بما أذن في قراءته به» .
ثم ساق الكلام إلى أن قال:
«فحملهم يعني عثمان رضي الله عنه على حرف واحد، وجمعهم على مصحف واحد، وحرق ما عدا المصحف الذي جمعهم عليه، فاستوسقت له الأمة
(1) انظر تفسير الطبري 1/ 6458.