على ذلك بالطاعة، ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامها العادل في تركها طاعة منها له ونظرا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها، حتى درست من الأمة معرفتها وتعفت آثارها، فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها لدثورها، وعفو آثارها، وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها، من غير جحود منهم صحتها، فلا القراءة اليوم لأحد من المسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية».
قال: «فإن قال بعض من ضعفت معرفته: كيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأمرهم بقراءتها؟» .
«قيل: إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة» . ثم ساق الكلام في تقرير ذلك.
وقال أبو العباس أحمد بن عمار المقرئ [1] في «شرح الهداية» :
«أصح ما عليه الحذاق من أهل النظر في معنى ذلك إنما نحن عليه في وقتنا هذا من هذه القراءات هو بعض الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن» .
قال: «وتفسير ذلك أن الحروف السبعة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلّم أن القرآن نزل عليها تجري على ضربين:
أحدهما: زيادة كلمة ونقص أخرى، وإبدال كلمة مكان أخرى، وتقديم كلمة على أخرى، وذلك نحو ما روي عن بعضهم: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربّكم في مواسم الحجّ [البقرة: 198] ، وروي عن بعضهم: حم سق[الشورى:
21]، وإذا جاء فتح الله والنّصر [النصر: 1] ، فهذا الضرب وما أشبهه متروك، لا تجوز القراءة به، ومن قرأ بشيء منه غير معاند ولا مجادل عليه وجب على الإمام أن يأخذه بالأدب، بالضرب والسجن على ما يظهر له من الاجتهاد، فإن جادل عليه ودعا الناس إليه وجب عليه القتل، لقول النبي صلى الله عليه وسلّم: «المراء في القرآن كفر» ، ولإجماع الأمة على اتباع المصحف المرسوم».
(1) هو أحمد بن عمار بن أبي العباس المهدوي القيرواني، أبو العباس، أصله من المهدية القيروان، قدم الأندلس، وتوفي سنة 440هـ. صنف: «التيسير في القراءات» ، «ري العاطش» ، «الهداية في القراءات» . (انظر: كشف الظنون 5/ 75، سراج القارئ ص 28، غاية النهاية 1/ 92، طبقات المفسرين ص 5، بغية الوعاة ص 152) .