«والضرب الثاني: ما اختلف القراء فيه من إظهار، وإدغام، وروم، وإشمام، وقصر، ومد، وتخفيف، وشد، وإبدال حركة بأخرى، وياء بتاء، وواو بفاء، وما أشبه ذلك من الاختلاف المتقارب» .
«فهذا الضرب هو المستعمل في زماننا هذا، وهو الذي عليه خط مصاحف الأمصار، سوى ما وقع فيه من اختلاف في حروف يسيرة» .
«فثبت بهذا: أن هذه القراءات التي نقرأها، هي بعض من الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن، استعملت لموافقتها المصحف الذي اجتمعت عليه الأمة وترك ما سواها من الحروف السبعة لمخالفته لمرسوم خط المصحف، إذ ليس بواجب علينا القراءة بجميع الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن، وإذ قد أباح النبي صلى الله عليه وسلّم لنا القراءة ببعضها دون بعض، لقوله تعالى: {فَاقْرَؤُا مََا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20] ، فصارت هذه القراءة المستعملة في وقتنا هذا هي التي تيسرت لنا بسبب ما رواه سلف الأمة رضوان الله عليهم، من جمع الناس على هذا المصحف، لقطع ما وقع بين الناس من الاختلاف وتكفير بعضهم لبعض» .
قال: «فهذا أصح ما قال العلماء في معنى هذا الحديث» .
قال: «وقد ذهب الطبري وغيره من العلماء إلى أن جميع هذه القراءات المستعملة ترجع إلى حرف واحد، وهو حرف زيد بن ثابت» .
قلت: لأن خط المصحف نفى ما كان يقرأ به من ألفاظ الزيادة والنقصان والمرادفة والتقديم والتأخير، وكانوا علموا أن تلك الرخصة قد انتهت بكثرة المسلمين واجتهاد القراء وتمكنهم من الحفظ.
وقد قال القاضي أبو بكر بن الطيب:
«القوم لم يختلفوا عندنا في هذه الحروف المشهورة عن الرسول صلى الله عليه وسلّم التي لم يمت حتى علم من دينه أنه أقرأ بها وصوب المختلفين فيها، وإنما اختلفوا في قراءات ووجوه أخر لم تثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلّم ولم تقم بها حجة، وكانت تجيء عنه مجيء الآحاد، وما لم يعلم ثبوته وصحته وكان منهم من يقرأ التأويل مع التنزيل، نحو قوله تعالى: {وَالصَّلََاةِ الْوُسْطى ََ} [البقرة: 238] وهي صلاة العصر، وفإن فاؤ فيهن [البقرة: 226] ، وأمثال هذا مما وجدوه في بعض المصاحف، فمنع عثمان رضي الله عنه من هذا الذي لم يثبت ولم تقم به الحجة، وحرقه، وأخذهم بالمستيقن المعلوم من قراءات الرسول صلى الله عليه وسلّم» .