الصفحة 12 من 156

بهم، وذكر مساوئ الناس وثلب أعراضهم، ولم يكن بمثابة من لا يقال فيه فقدح الناس فيه وتكلموا في حقه، وكان عند نفسه عظيما فسقط بذلك من أعين الناس.

وصدور هذا الطعن من معاصر لأبي شامة يحملنا على الوقوف عند قوله لنتبين وجه الصحة فيه، وهذا ما يقتضينا أن نحاول معرفة نوع الصلة التي كانت بين الرجلين. وفي هذا نجد أن أبا شامة كان شافعي المذهب، على حين كان اليونيني من قادة الحنابلة وابنا لإمام من أئمتهم في بعلبك وهو الشيخ محمد الحنبلي اليونيني الذي توفي سنة 657هـ. وقد ذكر أبو شامة نبأ وفاته في المذيّل ضمن حوادث هذه السنة [1] وعلق عليها، مبينا أن الإمام اليونيني ألّف كتابا في الإسراء مليئا بالخطإ الفاحش، فحمل هذا أبا شامة على تأليف كتاب خاص يفند به مزاعم اليونيني ويصحح أخطاءه، وسمى كتابه هذا: «الواضح الجلي في الرد على الحنبلي» ، ولم يكن الحنابلة عندئذ على علاقة طيبة بأئمة المذاهب الأخرى في الشام عامة ودمشق خاصة. حتى أننا نرى أبا شامة يمدح أستاذه زين الأمناء ابن عساكر بأنه «كان لا يمر قرب صفوف الحنابلة حتى لا يأثموا بسبهم له» ويعلل هذا صراحة بالبغض العنيف الذي يكنه الحنابلة للشافعية ذلك البغض الذي يكفينا للتدليل عليه أن نذكر أن زكي الدين بن رواحة أنشأ مدرستين في دمشق وحلب، وجعل من شروطه للدراسة فيهما «ألا يدخلهما مسيحي ولا حنبلي» وهكذا نجد أن من المحتمل أن اليونيني تأثر في العبارات التي تحدث بها عن أبي شامة بعاملين أحدهما البغض التقليدي الذي شاع بين الحنابلة والشافعية، وكلاهما إمام من أئمة مذهبه، وثانيهما البغض الشخصي الذي أحس به اليونيني نحو أبي شامة الذي ألّف كتابا خاصا يعدد فيه أخطاء والده ويصححها [2] .

ويبدو أن حياة أبي شامة في مجموعها، كانت سهلة مطمئنة، وأنه لم يعترضه من الصعوبات ما يعكر صفوها أو يخرج بها عن هدوئها واستقرارها باستثناء حادثتين أشار إليهما في تقريريه عن سنتي 658و 665هـ، ففي سنة 658هـ [3] ، وهي سنة دخول التتار دمشق، استدعاه نائب التتار وأهانه، وهدده بضرب عنقه، فاضطر أبو

(1) أبو شامة: نفسه ص 119.

(2) يذكر أبو شامة أن اليونيني صنّف أوراقا فيما يتعلق بإسراء النبي صلى الله عليه وسلّم ليلة المعراج وأخطأ فيه أنواعا من الخطأ الفاحش. فصنّف أبو شامة كتابا خاصا يعدد فيه هذه الأخطاء بعنوان «الواضح الجلي في الرد على الحنبلي» .

أبو شامة: المذيّل ص 207.

(3) أبو شامة: المذيّل ص 211.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت