وعيسى بن عمر [1] . والذي صار إليه أهل البصرة في القراءة، واتخذوه إماما أبو عمرو. وقد كان لهم رابعا، وهو عاصم الجحدري، غير أنه لم يرو عنه في الكثرة ما روي عن هؤلاء الثلاثة.
وكان من قراء الشام: عبد الله بن عامر ويحيى بن الحارث الذماري [2] وثالث، قد سمي لي بالشام ونسيت اسمه، فهؤلاء قراء الأمصار الذين كانوا من التابعين».
قلت: الذي نسيه أبو عبيد، قيل: هو خليد بن سعد [3] صاحب أبي الدرداء، وعندي أنه عطية بن قيس الكلابي [4] أو إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر [5] . فإن كل واحد منهما كان قارئا للجند، وكان عطية بن قيس تصلح المصاحف على قراءته بدمشق على ما نقلناه في ترجمتهما في التاريخ.
ثم إن القراء بعد هؤلاء كثروا، وتفرقوا في البلاد، وانتشروا، وخلفهم أمم بعد أمم، عرفت طبقاتهم واختلفت صفاتهم، فمنهم المحكم للتلاوة المعروف بالرواية والدراية، ومنهم المقتصر على وصف من هذه الأوصاف، وكثر سبب ذلك بينهم الاختلاف، وقل الضبط، واتسع الخرق، والتبس الباطل بالحق، فميز جهابذة العلماء ذلك بتصانيفهم، وحرروه وضبطوه في تواليفهم على ما سيأتي شرحه في الباب الخامس إن شاء الله تعالى.
وقد قال القاضي أبو بكر الأشعري رحمه الله:
«جميع ما قرأ به قراء الأمصار مما اشتهر عنهم واستفاض نقله ولم يدخل في حكم الشذوذ، ولم يقع بين القراء تناكر له، ولا تخطئة لقارئه، بل رواه سائغا جائزا من همز وإدغام ومد وتشديد وحذف وإمالة، أو ترك كل ذلك، أو شيء منه، أو تقديم وتأخير، فإنه كله منزل من عند الله تعالى ومما وقف الرسول صلى الله عليه وسلّم على صحته
(1) هو أبو عمرو عيسى بن عمر الثقفي النحوي البصري، مولى خالد بن الوليد، توفي سنة 149هـ، صنف: «الإكمال في النحو» ، «جامع في النحو» . (انظر: كشف الظنون 5/ 805، معجم الأدباء 6/ 100، وفيات الأعيان 1/ 497، غاية النهاية 1/ 613، بغية الوعاة ص 370) .
(2) هو يحيى بن الحارث بن عمرو بن يحيى، أبو عمرو الشامي، شيخ القراء بدمشق، توفي سنة 145هـ. (انظر: تهذيب التهذيب 11/ 193، غاية النهاية 2/ 367) .
(3) هو خليد بن سعد السلاماني. (انظر ترجمته في: ميزان الاعتدال 1/ 310) .
(4) هو عطية بن قيس الكلابي الحمصي، أبو يحيى الدمشقي، تابعي، توفي سنة 121هـ.(انظر:
غاية النهاية 1/ 513، تهذيب التهذيب 7/ 228).
(5) توفي سنة 131هـ. (انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب 1/ 317) .