«وأما تبديل {تَأْتِينََا} بأعطينا و {سَوَّلَتْ} بزينت ونحوه، فليس هذا من الشواذ، وهو أشد تحريما، والتأديب عليه أبلغ، والمنع منه أوجب» .
«وأما القراءة بالقراءات المختلفة في آي العشر الواحد فالأولى أن لا يفعل نعم، إن قرأ بقراءتين في موضع إحداهما مبنية على الأخرى، مثل أن يقرأ: {نَغْفِرْ لَكُمْ} بالنون و {خَطِيئََاتِكُمْ} بالرفع، ومثل {أَنْ تَضِلَّ إِحْدََاهُمََا} بالكسر {فَتُذَكِّرَ إِحْدََاهُمَا} بالنصب، فهذا أيضا ممتنع، وحكم المنع كما تقدم، والله أعلم» .
قلت: المنع من هذا ظاهر، وأما ما ليس كذلك فلا منع منه، فإن الجميع جائز، والتخيير في هذا وأكثر منه كان حاصلا بما ثبت من إنزال القرآن على سبعة أحرف توسعة على القراء، فلا ينبغي أن يضيق بالمنع من هذا ولا ضرر فيه نعم، أكره ترداد الآية بقراءات مختلفة كما يفعله أهل زماننا في جميع القراءات لما فيه من الابتداع، ولم يرد فيه شيء عن المتقدمين. وقد بلغني كراهته عن بعض متصدري المغاربة المتأخرين، والله أعلم.
قال الإمام أبو طاهر عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبي هاشم وهو صاحب الإمامين أبي بكر بن مجاهد وأبي جعفر الطبري في أول «كتاب البيان» عن اختلاف القراءة:
«وقد نبغ نابغ في عصرنا هذا، فزعم أن كل ما صح عنده وجه في العربية لحرف من القرآن، يوافق خط المصحف فقراءته به جائزة في الصلاة وفي غيرها، فابتدع بفعله ذلك بدعة ضل بها عن قصد السبيل، وأورط نفسه في مزلة عظمت بها جنايته على الإسلام وأهله، وحاول إلحاق كتاب الله عز وجل من الباطل ما لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه، إذا جعل لأهل الإلحاد في دين الله عز وجل بسيئ رأيه طريقا إلى مغالطة أهل الحق بتخير القراءات من جهة البحث والاستخراج بالآراء دون الاعتصام والتمسك بالأثر المفترض على أهل الإسلام قبوله والأخذ به كابرا عن كابر وخالفا عن سالف» .
«وكان أبو بكر بن مجاهد نضر الله وجهه نشله من بدعته المضلة باستتابته منها، وأشهد عليه بترك ما ارتكبه من الضلالة بعد أن سئل البرهان على صحة ما ذهب إليه، فلم يأت بطائل، ولم تكن له حجة قوية ولا ضعيفة، فاستوهب أبو بكر رحمه الله تأديبه من السلطان عند توبته وإظهاره الإقلاع عن بدعته» .
قال: «ثم عاود في وقتنا هذا إلى ما كان ابتدعه واستغوى من أصاغر المسلمين
ممن هو في الغفلة والغباوة دونه ظنا منه أن ذلك يكون للناس دينا، وأن يجعلوه فيما ابتدعه إماما، ولن يعدو ما ضل به مجلسه، لأن الله عز وجل قد أعلمنا أنه حافظ كتابه من لغط الزائغين وشبهات الملحدين بقوله عز وجل: {إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ} [الحجر: 9] .