ثم ذكر أبو عبيد أحاديث كثيرة في تحسين الصوت بالقرآن، ثم قال:
وعلى هذا المعنى تحمل هذه الأحاديث، إنما هو طريق الحزن والتخويف والتشويق، لا الألحان المطربة الملهية.
وقد روي في ذلك أحاديث مفسرة مرفوعة وغير مرفوعة، منها عن طاوس [1]
قال:
سئل رسول الله صلى الله عليه وسلّم: أي الناس أحسن صوتا بالقرآن أو أحسن قراءة فقال:
«الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله تعالى» [2] .
وعنه: «أحسن الصّوت بالقرآن أخشاهم لله تعالى» [3] .
وعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين، وسيجيء قوم من بعدي يرجّعون القرآن ترجيع الغناء والرّهبانيّة والنّوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم» [4] .
وعن عابس الغفاري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلّم يتخوف على أمته خصالا: بيع الحكم، والاستخفاف بالدم، وقطيعة الرحم، وقوما يتخذون القرآن من أمير، يقدمون أحدهم ليس بأفقههم ولا بأفضلهم، إلا ليغنيهم به غناء.
وعن أنس: أنه سمع رجلا يقرأ بهذه الألحان التي أحدث الناس، فأنكر ذلك ونهى عنه.
وقال شعبة: نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث: «زيّنوا القرآن بأصواتكم» [5] .
قال أبو عبيد: وإنما ذكره أيوب فيما يرى أن يتأول الناس بهذا الحديث
(1) هو طاوس بن كيسان الخولاني الهمداني، أبو عبد الرحمن اليماني، من كبار التابعين، توفي سنة 106هـ. (انظر ترجمته في: كتاب الثقات 4/ 391، الطبقات الكبرى 6/ 66، وفيات الأعيان 1/ 291، تهذيب التهذيب 5/ 8) .
(2) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 1/ 119، والبيهقي في شعب الإيمان 1/ 358، والدارمي في سننه 2/ 471.
(3) الحديث لم أجده.
(4) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان 1/ 429، والسيوطي في الجامع الصغير 1/ 43.
(5) أخرجه أبو داود حديث 1468، والنسائي 2/ 180، وابن ماجة حديث 1342، وأحمد في المسند 4/ 283، 285، 296، 304، والدارمي 2/ 474، والحاكم في المستدرك 1/ 571، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 4/ 496.