بكر، حتى نهى عنها عمر في شأن عمرو بن حريث [1] .
فمعناه، فعلها بعد النبي صلى الله عليه وسلّم من لم يبلغه نهي النبي صلى الله عليه وسلّم عنها. فلما اتصل ذلك بعمر رضي الله عنه نهى عنها لنهي النبي صلى الله عليه وسلّم عنها. فاشتهر ذلك وثبت، والله أعلم.
الضرب الثالث: ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته كآية عدة الوفاة حولا نسخت بالآية التي قبلها التي ذكر فيها {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] .
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لعثمان بن عفان رضي الله عنه الآية التي في البقرة: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوََاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوََاجِهِمْ مَتََاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرََاجٍ} [البقرة: 240] ، لم تكتبها وقد نسختها الآية الأخرى؟
قال: يا ابن أخي، لا أغير شيئا عن مكانه [2] .
وأسند البيهقي في كتاب «المدخل» و «الدلائل» عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: كنا حول رسول الله صلى الله عليه وسلّم نؤلف القرآن، إذ قال: «طوبى للشّام» ، فقيل له: ولم؟
قال: «إنّ ملائكة الرّحمن باسطة أجنحتها عليهم» [3] .
زاد في «الدلائل» : نؤلف القرآن من الرقاع، ثم قال: وهذا يشبه أن يكون أراد به تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة في سورها، وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه وسلّم، ثم كانت مثبتة في الصدور مكتوبة في الرقاع واللخاف والعسب، فجمعها منها في صحف بإشارة أبي بكر وعمر، ثم نسخ ما جمعه في الصحف في مصاحف بإشارة عثمان بن عفان على ما رسم المصطفى صلى الله عليه وسلّم [4] .
وأخرج هذا الحديث الحاكم أبو عبد الله في كتاب «المستدرك» ، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال: وفيه البيان الواضح أن جمع القرآن لم يكن مرة واحدة، فقد جمع بعضه بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ثم جمع بعضه بحضرة أبي بكر الصدّيق، والجمع الثالث وهو ترتيب السور كان في خلافة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنهم أجمعين.
قال القاضي أبو بكر ابن الطيب: «الذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله تعالى وأمر بإثبات رسمه ولم ينسخه ويرفع تلاوته بعد نزوله هو هذا الذي بين
(1) أخرجه مسلم في النكاح حديث 16، وأبو داود في النكاح باب 29.
(2) أخرجه البخاري في تفسير سورة 2، باب 45.
(3) أخرجه الترمذي حديث 3954، وأحمد في المسند 5/ 185184، والطبراني في المعجم الكبير 5/ 176، والهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 60.
(4) أخرجه الحاكم في المستدرك 2/ 229، والبيهقي في دلائل النبوة 4/ 174.