الرجل يقول للرجل: قراءتي خير من قراءتك، فبلغ ذلك عثمان فجمعنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: إن الناس قد اختلفوا اليوم في القراءة وأنتم بين ظهرانيهم، فقد رأيت أن أجمع على قراءة واحدة، قال: فأجمع رأينا مع رأيه على ذلك، قال: وقال علي: لو وليت مثل الذي ولي، لصنعت مثل الذي صنع. وفي رواية: يرحم الله عثمان، لو كنت أنا لصنعت في المصاحف ما صنع عثمان. أخرجه البيهقي في «المدخل» .
وفي كتاب أبي بكر عبد الله بن أبي داود [1] عن هشام بن عروة [2] عن أبيه قال لما استحر القتل بالقراء يومئذ فرق أبو بكر على القرآن أن يضيع، فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله تعالى فاكتباه.
قال الشيخ أبو الحسن في كتابه «جمال القراء» : ومعنى هذا الحديث والله أعلم: من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله الذي كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وإلّا فقد كان زيد جامعا للقرآن.
قال: ويجوز أن يكون معناه: من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله تعالى، أي من الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن، ولم يزد على شيء مما لم يقرأ أصلا، ولم يعلم بوجه آخر.
وفي كتاب ابن أبي داود أيضا عن أبي العالية [3] : أنهم جمعوا القرآن في مصحف في خلافة أبي بكر، فكان رجال يكتبون، ويملي عليهم أبيّ بن كعب، فلما انتهوا إلى هذه الآية من «سورة براءة» : {ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللََّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لََا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 127] ، فظنوا أنها آخر ما نزل من القرآن. فقال أبيّ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أقرأني بعدهن آيتين: {لَقَدْ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ} إلى {وَهُوَ رَبُّ}
(1) هو عبد الله بن سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي، السجستاني، أبو بكر بن أبي داود، توفي سنة 316هـ. (انظر ترجمته في: لسان الميزان 3/ 293، غاية النهاية 1/ 424، تاريخ بغداد 9/ 469) .
(2) هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أبو المنذر، توفي سنة 146هـ.
(انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب 11/ 48، ميزان الاعتدال 3/ 255، تذكرة الحفاظ 1/ 136، وفيات الأعيان 2/ 257، تاريخ بغداد 14/ 34) .
(3) أبو العالية: هو رفيع بن مهران الرياحي، أبو العالية البصري، من كبار التابعين، فقيه، مقرئ، توفي سنة 93هـ. (انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب 3/ 284، غاية النهاية 1/ 284، تذكرة الحفاظ 1/ 58، الطبقات الكبرى 7/ 112، كتاب الثقات 4/ 239) .