الصفحة 66 من 156

فإن قلت: كان قد جمع من الرقاع في أيام أبي بكر، فأي حاجة إلى استحضارها في أيام عثمان؟

قلت: يأتي جواب هذا في آخر الباب.

وذكر أبو عمرو الداني في كتاب «المقنع» أن عثمان قال: يا أصحاب محمد، اجتمعوا فاكتبوا للناس إماما يجمعهم قال: وكانوا في المسجد فكثروا، فكانوا إذا تماروا في الآية يقولون: إنه أقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلّم هذه الآية فلان بن فلان، وهو على رأس أميال من المدينة، فيبعث إليه فيجيء، فيقولون: كيف أقرأك رسول الله صلى الله عليه وسلّم آية كذا وكذا؟ فيقول: كذا، فيكتبون كما قال. والله أعلم.

وفي كتاب ابن أبي داود أيضا عن هشام [1] عن محمد وهو ابن سيرين قال:

كان الرجل يقرأ، حتى يقول الرجل لصاحبه: كفرت بما تقول. فرفع ذلك إلى عثمان بن عفان، فتعاظم ذلك في نفسه، فجمع اثني عشر رجلا من قريش والأنصار، فيهم أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت، فأرسل إلى الربعة التي كانت في بيت عمر، فيها القرآن.

قال البيهقي في كتاب «المدخل» : واعلم أن القرآن كان مجموعا كله في صدور الرجال أيام حياة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ومؤلفا هذا التأليف الذي نشاهده ونقرأه إلا «سورة براءة» ، فإنها كانت من آخر ما نزل من القرآن. ولم يبين رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأصحابه موضعها من التأليف حتى خرج من الدنيا، فقرنها الصحابة رضي الله عنهم ب «الأنفال» . وبيان ذلك في حديث ابن عباس، قال: قلت لعثمان رضي الله عنه: ما حملكم على أن عمدتم إلى «براءة» وهي من المئين، وإلى «الأنفال» وهي من المثاني، فقرنتم بينهما، ولم تجعلوا بينهما سطرا فيه {بِسْمِ اللََّهِ الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ،}

ووضعتموها في السبع الطوال؟ فقال: كانت «الأنفال» من أول ما نزل عليه بالمدينة، وكانت «براءة» من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها تشبه قصتها، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلّم ولم يبين أمرها، فظننت أنها منها [2] .

قال البيهقي: وفيما رويناه من الأحاديث المشهورة في ذكر من جمع القرآن من

(1) هو هشام بن حسان الأزدي القردوسي، أبو عبد الله البصري، توفي سنة 147هـ. (انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى 7/ 200، كتاب الثقات 7/ 566، تذكرة الحفاظ 1/ 154، تهذيب التهذيب 11/ 34) .

(2) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 9، باب 1، وأبو داود في الصلاة باب 122، وأحمد في المسند 1/ 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت