الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ثم ما روينا عن زيد بن ثابت: كنا حول رسول الله صلى الله عليه وسلّم نؤلف القرآن، ثم ما رويناه في كتاب «السنن» أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قرأ في صلاة كذا بسورة كذا، دلالة على صحة ما قلناه، إلا أنه كان مثبتا في صدور الرجال، مكتوبا في الرقاع واللخاف والعسب، وأمر أبو بكر الصدّيق حين استحر القتل بقراء القرآن يوم اليمامة بجمعه من مواضعه في صحف، ثم أمر عثمان حين خاف الاختلاف في القراءة بتحويله منها إلى مصاحف مع بذل المجهود في معارضة ما كان في الصحف بما كان مثبتا في صدور الرجال، وذلك كله بمشورة من حضره من علماء الصحابة رضي الله عنهم، وارتضاه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وحمد أثره فيه.
والله يغفر لنا ولكم.
قال: ويشبه أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلّم إنما لم يجمعه في مصحف واحد لما كان يعلم من جواز ورود النسخ على أحكامه ورسومه، فلما ختم الله دينه بوفاة نبيه صلى الله عليه وسلّم، وانقطع الوحي، قيّض لخلفائه الراشدين عند الحاجة إليه جمعه بين الدفتين.
قال: وقد أشار الشيخ أبو سليمان الخطابي [1] رحمه الله تعالى إلى جملة ما ذكرناه، وذكره أيضا غيره من أئمتنا، والأخبار الثابتة المشهورة ناطقة بجميع ذلك.
قلت: وفي كتاب «الانتصار» أخبار في جمع القرآن، فيها زيادات على ما تقدم، فنذكر منها ما يشتمل على فوائد تعرّفنا الأمر كيف وقع، وتشرح لنا بعض ما تقدم.
فمنها: قال زيد: فقلت: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، لو اجتمعت أنا وعمر جميعا، فقال أبو بكر لعمر، فقال عمر: نعم، فانطلق بنا فخرجنا، حتى جلسنا على باب المسجد الذي يلي موضع الجنائز فجلسنا، وجعل الناس يأتون بالقرآن منهم من يأتي به في الصحيفة، ومنهم من يأتي به في العسب حتى فرغنا من ذلك. وفي رواية: فقال أبو بكر لزيد: قم فاقعد على باب المسجد، فكل من جاءك بشيء من كتاب الله عز وجل تنكره فاطلب منه شاهدين، ثم قال: يا عمر، ثم فكن مع زيد،
(1) أبو سليمان الخطابي: هو أحمد، وقيل: حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب، الإمام أبو سليمان الخطابي البستي، ولد سنة 308هـ، وتوفي سنة 388هـ. من تصانيفه: «إصلاح غلط المحدثين» ، «أعلام السنن» ، «شرح أسماء الله الحسنى» ، «عجالة العالم من كتاب المعالم» في اختصار معالم السنن له، «غريب الحديث» ، «معالم السنن في شرح سنن أبي داود» ، «معرفة السنن والآثار» ، «كتاب الجهاد» ، «كتاب العزلة» ، «كتاب النجاح» وغير ذلك.(انظر:
كشف الظنون 5/ 68، إنباه الرواة 1/ 125، وفيات الأعيان 1/ 208، تذكرة الحفاظ 3/ 209، بغية الوعاة ص 239).