قال عمر: فقمنا حتى جلسنا على باب المسجد فأرسلت إلى أبيّ بن كعب فجاء، فوجدنا مع أبيّ كتبا مثل ما وجدنا عند جميع الناس.
ومنها: أن عمر بن الخطاب جعل يذكر قتلى اليمامة وما أصيب من المسلمين وأن القتل يومئذ استحر بأهل القرآن، ثم يقول: جعل مناد ينادي: يا أهل القرآن، فيجيبون المنادي فرادى ومثنى فاستحر بهم القتل، فرحم الله تلك الوجوه لولا ما استدرك خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم من جمع القرآن لخفت أن لا يلتقي المسلمون وعدوهم في موضع، إلّا استحر القتل بأهل القرآن. وفي رواية: لما قتل أصحاب اليمامة دخل عمر بن الخطاب على أبي بكر رضي الله عنهما فقال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم تهافتوا في القتل يوم اليمامة كما يتهافت الفراش في النار، وإني أخاف أن لا يشهدوا مشهدا، إلا فعلوا ذلك، وهم حملة القرآن، فيضيع القرآن ويذهب.
قال القاضي أبو بكر: ومن تأمل مجيء هذه الأخبار وألفاظها علم وتيقّن أن أمر القرآن كان بينهم ظاهرا منتشرا، وأن حفّاظه إذ ذاك كانوا في الأمة عددا عظيما وخلقا كثيرا. قال: وروى موسى بن عقبة [1] عن ابن شهاب أنه قال: إن المسلمين لما أصيبوا باليمامة فزع أبو بكر رضي الله عنه إلى القرآن، وخاف أن تهلك منه طائفة، وإنما كان في العسب والرقاع، فأقبل الناس بما كان معهم وعندهم. حتى جمع على عهد أبي بكر رضي الله عنه، فكتبوه في الورق وجمعوه فيه. وقال أبو بكر:
التمسوا له اسما، فقال بعضهم: السّفر. وقال بعضهم: كان الحبشة يدعونه المصحف. قال: فكان أبو بكر أول من جمع القرآن في المصحف.
وعن أسلم مولى عمر قال: اختلف الناس في القرآن فجعل الرجل يلقى الرجل في مغزاته فيقول: معي من القرآن ما ليس معك، أقرأني أبيّ بن كعب كذا وكذا، ويقول هذا: أقرأني عبد الله بن مسعود كذا وكذا، فلما رأى ذلك عثمان شاور فيه أهل القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فرأوا أن يجمعوه في مصحف واحد، ثم يفرق في البلاد مصحفا مصحفا، ثم تحرق سائر الصحف. فدعا عثمان رضي الله عنه أربعة نفر، ثلاثة من قريش ورجلا من الأنصار: عبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسعيد بن العاص وزيد بن ثابت فقال: انسخوه. فنسخوه على هذا التأليف، وقال: ما اختلفتم فيه أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه على ما تقولون أنتم، فإن القرآن أنزل على لسان قريش فنسخوا القرآن في مصحف واحد حتى فرغوا منه، ثم
(1) هو موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي المدني، مولى آل الزبير بن العوام، من صغار التابعين، توفي سنة 141هـ. صنف «كتاب المغازي» . (انظر: كشف الظنون 6/ 477، تهذيب التهذيب 10/ 360، تذكرة الحفاظ 1/ 139) .