ما يشاء الله عزّ وجلّ وترتيب النزول غير ترتيب التلاوة، وكان هذا الاتفاق من الصحابة سببا لبقاء القرآن في الأمة رحمة من الله عز وجل لعباده، وتحقيقا لوعده في حفظه على ما قال جلّ ذكره: {إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ} [الحجر: 9] .
ثم إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم كانوا يقرءون بالقراءة التي أقرأهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولقنهم بإذن الله عز وجل، إلى أن وقع الاختلاف بين القراء في زمن عثمان وعظم الأمر فيه، وكتب الناس بذلك من الأمصار إلى عثمان، وناشدوه الله تعالى في جمع الكلمة وتدارك الناس قبل تفاقم الأمر، وقدم حذيفة بن اليمان [1] من غزوة إرمينية، فشافهه بذلك، فجمع عثمان عند ذلك المهاجرين والأنصار وشاورهم في جمع القرآن على حرف واحد ليزول بذلك الخلاف وتتفق الكلمة، فاستصوبوا رأيه، وحضوه عليه، ورأوا أنه من أحوط الأمور للقرآن، فاستحضر الصحف من عند حفصة، ونسخها في المصاحف، وبعث بها إلى الأمصار
وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي [2] قال: كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرءون قراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلّم على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان علي رضي الله عنه طول أيامه يقرأ مصحف عثمان، ويتخذه إماما ويقال: إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلّم على جبريل وهي التي بيّن فيها ما نسخ وما بقي.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: قرأ زيد بن ثابت على رسول الله صلى الله عليه وسلّم في العام الذي توفاه الله فيه مرتين، وإنما سميت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت، لأنه كتبها لرسول الله صلى الله عليه وسلّم، وقرأها عليه، وشهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتب المصاحف، رضي الله عنهم أجمعين.
قلت: ومعنى قول عثمان رضي الله عنه: «إن القرآن أنزل بلسان قريش» أي معظمه بلسانهم، فإذا وقع الاختلاف في كلمة فوضعها على موافقة لسان قريش أولى
(1) هو حذيفة بن اليمان العبسي، حليف بني عبد الأشهل، كنيته أبو عبد الله، هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلّم، وشهد أحدا، توفي بعد قتل عثمان بن عفان بأربعين ليلة، سكن الكوفة. (كتاب الثقات لابن حبان 3/ 8180) .
(2) أبو عبد الرحمن السلمي: هو عبد الله بن حبيب بن ربيعة، أبو عبد الرحمن السلمي الكوفي، تابعي، توفي سنة 72هـ، (انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى 6/ 212، كتاب الثقات 5/ 9، صفة الصفوة 3/ 30، تهذيب التهذيب 5/ 183، غاية النهاية 1/ 413) .