وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان لعثمان شيئان ليس لأبي بكر ولا عمر مثلهما: صبره نفسه حتى قتل مظلوما، وجمعه الناس على المصحف.
فقد اتضح بما ذكرناه معنى ما فعله كل واحد من الإمامين أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما، وتبين أن قصد كل واحد منهما غير قصد الآخر، فأبو بكر قصد جمعه في مكان واحد، ذخرا للإسلام يرجع إليه إن اصطلم، والعياذ بالله، قراؤه، وعثمان قصد أن يقتصر الناس على تلاوته على اللفظ الذي كتب بأمر النبي صلى الله عليه وسلّم، ولا يتعدوه إلى غيره من القراءات التي كانت مباحة لهم، المنافية لخط المصحف من الزيادة والنقصان وإبدال الألفاظ على ما سيأتي شرحه.
وذكر أبو عمرو الداني في كتابه «المقنع» عن هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر أول من جمع القرآن في المصاحف، وعثمان الذي جمع المصاحف على مصحف واحد.
وقد عبر الشيخ أبو القاسم الشاطبي [1] رحمه الله عما فعله الإمامان بأبيات من جملة قصيدته المسماة ب «العقيلة» في بيان رسم المصحف، أخبرنا بها عنه شيخنا أبو الحسن وغيره فقال رحمه الله:
واعلم بأن كتاب الله خص بما ... تاه البرية عن إتيانه ظهرا
أي متظاهرين، ثم قال بعد أبيات:
ولم يزل حفظه بين الصحابة في ... علا حياة رسول الله مبتدرا
أشار إلى كثرة حفّاظه في حياة النبي صلى الله عليه وسلّم، ثم قال:
وكل عام على جبريل يعرضه ... وقيل آخر عام عرضتين قرا
لو قال: «لكن آخر عام» كان أولى، لأن الجمع في خبر واحد صحيح. وقوله «وقيل» يوهم غير ذلك، فإن كان قال: و «قبل» بالموحدة فهو أجود، والله أعلم. ثم قال رحمه الله:
(1) الشاطبي: هو القاسم بن فيرة بن أبي القاسم خلف بن أحمد، الحافظ أبو محمد (وليس أبا القاسم كما ذكر المؤلف) الرعيني الأندلسي، المعروف بالشاطبي المالكي المقري النحوي، ولد سنة 528هـ، وتوفي بمصر سنة 590هـ، من مصنفاته: «تتمة الحرز من قراء الأئمة الكنز» ، «حرز الأماني ووجه التهاني» القصيدة المشهورة بالشاطبية في القراءات، «عقيلة أرباب القصائد في أسنى المقاصد» ، «ناظمة الزهر في عدد آيات السور» . (كشف الظنون 5/ 828) .