الصفحة 85 من 156

كقول أحدهم: هلمّ وتعال وأقبل.

قال البيهقي: أما الأخبار التي وردت في إجازة قراءة «غفور رحيم» بدل «عليم حكيم» ، فلأن جميع ذلك مما نزل به الوحي، فإذا قرأ ذلك في غير موضعه فكأنه قرأ آية من سورة، وآية من سورة أخرى، فلا يأثم بقراءتها كذلك ما لم يختم آية عذاب بآية رحمة، ولا آية رحمة بآية عذاب.

قلت: وكان هذا سائغا قبل جمع الصحابة المصحف تسهيلا على الأمة حفظه، لأنه نزل على قوم لم يعتادوا الدرس والتكرار وحفظ الشيء بلفظه، بل هم قوم عرب فصحاء يعبرون عما يسمعون باللفظ الفصيح.

ثم إن الصحابة رضي الله عنهم خافوا من كثرة الاختلاف، وألهموا، وفهموا أن تلك الرخصة قد استغني عنها بكثرة الحفظة للقرآن، ومن نشأ على حفظه صغيرا فحسموا مادة ذلك بنسخ القرآن على اللفظ المنزل غير اللفظ المرادف له، وصار الأصل ما استقرت عليه القراءة في السنة التي توفي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعد ما عارضه به جبريل عليه السلام في تلك السنة مرتين، ثم اجتمعت الصحابة على إثباته بين الدفتين، وبقي من الأحرف السبعة التي كان أبيح قراءة القرآن عليها ما لا يخالف المرسوم، وهو ما يتعلق بتلك الألفاظ من الحركات والسكنات والتشديد والتخفيف وإبدال حرف بحرف يوافقه في الرسم، ونحو ذلك وما لا يحتمله المرسوم الواحد فرق في المصاحف فكتب بعضها على رسم قراءة، وبعضها على رسم قراءة أخرى، وأمثلة ذلك كله معروفة عند العلماء بالقراءات، وصح عن زيد بن ثابت رضي الله عنه وعن غيره أنه قال: إن القراءة سنة.

قال البيهقي: أراد أن اتباع من قبلنا في الحروف سنة متبعة، لا يجوز مخالفة المصحف الذي هو إمام، ولا مخالفة القراءات التي هي مشهورة، وإن كان غير ذلك سائغا في اللغة، أو أظهر منها.

قال أبو بكر بن العربي [1] : سقط جميع اللغات والقراءات إلا ما ثبت في

(1) أبو بكر بن العربي: هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد، المعروف بابن المغربي، ويقال: ابن العربي القاضي، أبو بكر المعافري الإشبيلي الأندلسي، ولد سنة 468هـ، وتوفي سنة 543هـ. له من المصنفات: «أحكام القرآن» ، «أعيان الأعيان» ، «الأمد الأقصى بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى» ، «الإنصاف في مسائل الخلاف» ، «أنوار الفجر المنير» في التفسير «تبيين الصحيح وتعيين الذبيح» ، «ترتيب الرحلة» ، «ترتيب المسالك في شرح موطأ مالك» ، «تفصيل التفضيل بين التحميد والتهليل» ، «التوسط في معرفة صحة الاعتقاد والرد على من خالف السنة من ذوي البدع والإلحاد» ، «الحاكمة في الفتاوى» ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت