رسول الله صلى الله عليه وسلّم قد تغير، ووجد في نفسه حين ذكرت له الاختلاف فقال: «إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف» ثم أسرّ إلى عليّ، فقال علي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم، قال: فانطلقنا وكل رجل منا يقرأ حروفا، لا يقرأها صاحبه. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة.
وفي السنن الكبير [1] عن سليمان بن صرد عن أبيّ بن كعب قال: قرأت آية وقرأ ابن مسعود خلافها، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلّم فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: «بلى» ، قال ابن مسعود: ألم تقرئنيها كذا وكذا؟ قال: «بلى» ، قال: «كلاكما محسن» ، قلت:
ما كلانا أحسن ولا أجمل، قال: فضرب صدري وقال: «يا أبيّ إني أقرئت القرآن، فقيل لي: أعلى حرف أم على حرفين؟ فقال الملك الذي معي: على حرفين، فقلت:
على حرفين، فقيل لي: أعلى حرفين أم ثلاثة؟ فقال الملك الذي معي: على ثلاثة، فقلت: ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف»، قال «ليس فيها إلّا شاف كاف، قلت: غفور رحيم، عليم حكيم، سميع عليم، عزيز حكيم، نحو هذا ما لم تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب» .
قال أبو عبيد: قد تواترت هذه الأحاديث كلها على الأحرف السبعة، إلا حديثا واحدا يروى عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «أنزل القرآن على ثلاثة أحرف» [2] . قال أبو عبيد: ولا نرى المحفوظ إلا السبعة، لأنها المشهورة.
قلت: أخرج حديث الثلاثة الحاكم في مستدركه، فيجوز أن يكون معناه: أن بعضه أنزل على ثلاثة أحرف ك {جَذْوَةٍ} [القصص: 29] و {الرَّهْبِ} [القصص: 32] و {الصَّدَفَيْنِ} [الكهف: 96] ، يقرأ كل واحد على ثلاثة أوجه في هذه القراءات المشهورة، أو أراد: أنزل ابتداء على ثلاثة، ثم زيد إلى سبعة، والله أعلم.
ومعنى جميع ذلك أنه نزل منه ما يقرأ على حرفين وعلى ثلاثة وعلى أكثر من ذلك إلى سبعة أحرف توسعة على العباد باعتبار اختلاف اللغات والألفاظ المترادفة وما يقارب معانيها، وقد جاء عن ابن مسعود: ليس الخطأ أن يدخل بعض السورة في الأخرى ولا أن تختم الآية بحكيم عليم، أو عليم حكيم، ولكن الخطأ أن تجعل فيه ما ليس فيه، وإن تختم آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب بآية رحمة.
وقال الأعمش: سمعت أبا وائل يحدث عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت القراء فوجدتهم متقاربين، اقرءوا كما علمتم وإياكم والتنطع والاختلاف، فإنما هو
(1) السنن الكبرى للبيهقي 2/ 383.
(2) أخرجه بهذا اللفظ الحاكم في المستدرك 2/ 223، والطبراني في المعجم الكبير 7/ 249، والهيثمي في مجمع الزوائد 7/ 152.