ألفاظ المصحف المجمع عليه، كالصوف وهو العهن [القارعة: 5] ، وزقية وهي {صَيْحَةً} [يس: 29] ، وحططنا وهي {وَضَعْنََا} [الانشراح: 20] ، وحطب جهنم وهي {حَصَبُ} [الأنبياء: 98] ، ونحو ذلك، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلّم وكل رجل منهم متمسك بما أجازه له صلى الله عليه وسلّم وإن كان مخالفا لقراءة صاحبه في اللفظ، وعول المهاجرون والأنصار ومن تبعهم على العرضة الأخيرة التي عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلّم على جبريل عليه السلام في العام الذي قبض فيه، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يعرض عليه في كل سنة مرة جميع ما أنزل عليه فيها إلا في السنة التي قبض فيها، فإنه عرض عليه مرتين.
قلت: وهذا كلام مستقيم حسن، وتتمته أن يقال:
أباح الله تعالى أن يقرأ على سبعة أحرف ما يحتمل ذلك من ألفاظ القرآن وعلى دونها ما يحتمل ذلك من جهة اختلاف اللغات وترادف الألفاظ توسيعا على العباد، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلّم يقول لما أوحي إليه أن يقرأه على حرفين وثلاثة: «هوّن على أمّتي» [1] على ما سبق ذكره في أول الباب، فلما انتهى إلى سبعة وقف، وكأنه صلى الله عليه وسلّم علم أنه لا يحتاج من ألفاظه لفظة إلى أكثر من ذلك غالبا، والله أعلم.
وإنما غرضنا الآن تحقيق معنى هذا العدد الذي هو سبعة أحرف.
قال الأهوازي: وقالت طائفة: سبع لغات من قريش حسب. وقال بعضهم:
خمس منها بلغة هوازن، وحرفان لسائر لغات العرب، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم ربي في هوازن ونشأ في هذيل. وجاء عن علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا: نزل القرآن بلغة كل حي من أحياء العرب. وفي رواية عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يقرئ الناس بلغة واحدة، فاشتد ذلك عليهم، فنزل جبريل فقال: يا محمد، أقرئ كلّ قوم بلغتهم.
قلت: هذا هو الحق، لأنه إنما أبيح أن يقرأ بغير لسان قريش توسعة على العرب، فلا ينبغي أن يوسع على قوم دون قوم، فلا يكلف أحد إلا قدر استطاعته، فمن كانت لغته الإمالة، أو تخفيف الهمز، أو الإدغام، أو ضم ميم الجمع، أو صلة هاء الكناية، أو نحو ذلك فكيف يكلف غيره؟ وكذا كل من كان من لغته أن ينطق بالشين التي كالجيم في نحو أشدق، والصاد التي كالزاي في نحو مصدر، والكاف التي كالجيم، والجيم التي كالكاف، ونحو ذلك فهم في ذلك بمنزلة الألثغ والأرت، لا يكلف ما ليس في وسعه، وعليه أن يتعلم ويجتهد، والله أعلم.
(1) تقدم الحديث مع تخريجه.