وهذا العلمُ الذي هو أشرفُ العُلومِ وإمامُها ومُقَدَّمُها لا يمكنُ الإلمامُ بهِ على حالٍ مُعتَبَرةٍ حتَّى يحفظَ باغيهِ متنًا منثورًا أو منظومًا , وسببُ ذلكَ هو نسخُ عثمانَ بإجماعٍ من الصحابةِ بعضَ الأوجهِ القرائيَّةِ من باب عدم الترخصِ كما يراهُ الطبريُّ , وهذا ما ألزم القراءةِ بمضمَّنِ المصحف الإمامِ , ثمَّ تلا ذلك تدوين الأوجه التي يحتملها هذا المصحفُ حتى سبَّعَ ابنُ مجاهدٍ وتنامت الطرق وتوافرت الرواياتُ والأوجهُ مما حدا بالعلماء أن يضعوا مروياتهم عن الأشياخ الماضينَ في مصنفاتٍ تنضبطُ بها الروايةُ ويؤمنُ فيها الخلطُ والتدليسُ , وهذا ما جعلَ القراءة على ما رواهُ إمام من الأئمة المعتَبرين ممن تواترت صدارتهم عند الأمَّةِ يقتضي العلمَ بمضمن كتاب من كتبهم أو كتب الثقاتِ النَّقَلة عنهم , الأمرُ الذي أمس يقتضي من القارئ حفظ طرق ذلكَ الإمامِ والإلمامَ بها درايةً أو روايةً أو هما معًا حتى يأمن التباسَ الثابتِ بغيرهِ ويستوثقَ فلا يزيد ولا ينقص خصوصًا عند إدراكِ أن بعضَ أئمة الإقراء بلغت الطرقُ المرويةُ عنهُ عدة مئات , وهذا الأمرُ وأمثالهُ التي لا تحصَرُ تبقى أمامهُ دعوى مباشرةِ الاستمدادِ من القرآنِ عهنًا منفوشًا.
17 -لقد أخطأَ ولا يزالُ يخطئُ بعضُ النَّاسِ الذين يحسبونَ كثيرًا من التصانيف والتآليفِ مَشغَلةً عن الوحيينِ , مع أنَّها في حقيقة أمرها خادمةٌ ومعينةٌ تجعلُ القرآنَ والسنَّةً فلكًا فسيحًا تدورُ في أرجائهما وتنطلقُ منهُ جاعِلتَهُ مُرتكزًا للبحوث والنَّشاطِ العلميِّ , ولا غرابةَ أن يوجَدَ ذلكَ مؤخَّرًا ويُفقَدَ في عصر النبوةِ وما تلاهُ , لأنَّ ما كانَ مُدرَكا بالبديهةِ يومئذٍ أصبحَ قواعدَ ومسائلَ ومُعضِلاتٍ فيما وراءَ تلكَ العصور الزاهية , ومن أمثلةِ ذلكَ كتُبُ إعراب القرآنِ التي أصبحَ فهمُ القرآنِ على حقيقتهِ متوقفًا عليها مع أنَّ عصرَ التنزيلِ وما تلاهُ لم تكن ثمَّةَ إليها حاجةٌ, وكذلك كتُبُ إعراب الحديث النبوي التي مسَّت إليها حاجةُ المسلمينَ عند فُشُوِّ اللحنِ واستحكام العجمة , فأملى واجبُ تنزيهِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلمَ وصحابته عن اللحنِ تأليفها وشرحها وتدريسها وإدراجها في سُلَّم التعليم خدمةً للكتاب والسنةِ.
18 -إنَّ أشياخَ هذه الأمَّةِ وسادتها (الصحابة) والمقدَّمَانِ عليهما أبا بكرٍ وعُمرَ - رضي اللهُ عن الجميع - همُ الذينَ وضعوا أوَّل بذرةٍ للمتُونِ , وتمثلت هذه البذرةُ في تحريهم استصدار الحكام الشرعية عبر الوحيينِ , ثمَّ اللجوءُ بعد ذلك إلى اجتهادِ بعضهم ومقدَّميهم في العلمِ , ولذلكَ كانَ عُمرُ يتحرَّى أقضيةَ أبي بكرٍ واجتهادَهُ , وهكذا كلُّ لاحقٍ يتحرَّى سابقهُ علمًا وصُحبةً وفقها في الدينِ حتى تكونت للتابعينَ ثروةٌ فقهيةٌ ضحمةٌ بسبب اختلافِ وتعدُّد آراء الصحابة ومذاهبهم الذينَ لا يمكنُ لعاقلٍ أو غيرهِ أن يُزايدَ في أنهم أحقُّ العالمينَ بالقرآن والسنةِ وأسعدهم بهما.
19 -وربَّما تساءلَ بعضُ البُسطاءِ واستغلقَ عليه استيعابُ تفرُّقِ الصحابة العلميِّ والفقهيِّ مع أنَّ القرآن بين أيديهم والسنة كذلك , وجوابُ ذلك أنَّ أسباب الاختلافِ الفقهي الذي كوَّن بذرة التمذهب ومن ثمَّ المتون والمنظوماتِ يعودُ إلى أمورٍ من أهمِّها:
-الاختلافُ في فهم المفردة اللغوية , والذي يسعهُ اصطلاحُ العرب واستعمالهم , كاحتمال اللفظِ الحقيقة والمجاز أو ترددهُ بين معنيين مُشتَركَيْن.
-الاختلافُ في الجمعِ بين ما ظهرَ تعارضُهُ من نصوصٍ كما في عدةِ الحاملِ المتوفى عنها زوجُها.
-لاختلافُ في العلمِ بأسباب النزول والظروف المحيطة بالآيةِ مما يزيدُ القارئَ والفقيهَ بصيرةً في الاستدلال بها.
هذا وأسأل الله أن يعين ويباركَ , وأرجو من كل من يستطيعُ المشاركةَ والتقويمَ والزيادةَ أن يتفضَّلَ فيُشارك , والله تعالى أعلمُ.
ـ [علي سَليم] ــــــــ [26 - 10 - 10, 10:16 ص] ـ
يرعاك ربي ... و أحس الله اليك
ـ [أبوالحسين الدوسري] ــــــــ [26 - 10 - 10, 11:45 ص] ـ
أخي المبارك وفقك الله على هذا المقال الماتع المحفز لحفظ المتون، والذي فيه الرد على من زهد فيها عفا الله عنا وعنه، ولكني أظن أن هذه العبارة (فهم أبصرُ بالسَّاعة أيَّانَ مُرساها منهم بهِ) فيها نظر، وفقنا اله وإياك لمرضاته.
محبك في الله
ـ [أبو فهر السلفي] ــــــــ [26 - 10 - 10, 11:56 ص] ـ
بارك الله في الشيخ المكرم ..
1 -لابد من فصل قضية المتون وأهميتها والاحتجاج لها عن قضية الحفظ وأهميته فالخلط بينهما غلط في الاحتجاج؛ فالحفظ لا نزاع في كونه شعارًا لهذه الأمة المسلمة، وأن استحبابه من القطعيات التي لا تقبل النزاع وأن منه قدرًا واجبًا لا يقوم الدين بغيره، وإنما البحث في صور هذا الحفظ التي منها المتون.
2 -أعرف من يقرأ بالعشر لا يخرم منها حرفًا من غير شاطبية ولا جزرية، وطريقته تحتاج لأن توضع في كتاب منشور لعلها تطور مناحي درس هذا العلم.
3 -حفظ المتون العلمية التي هي لضبط العلوم الشرعية وهو المعهود محل البحث = حادث بعد الصدر الأول وعصر الأئمة، وهذا لا ينبغي أن يُنازع فيه، ولا داعي للتمحل والتكلف في رد المتون العلمية والمنظومات للصدر الأول لمجرد أنهم كانوا يحفظون؛ فالحفظ لا نزاع فيه، وتسمية القرآن والسنة ونحوهما متونًا = غلط وهي من جنس تسمية أخذ الواحد من السلف عن شيخه أخذ ملازمة تمذهبًا وزهد الصحابة تصوفًا ونصرة علي تشيعًا وفعل أبي ذر اشتراكية،وكل ذلك لم يكن، وهذا التمحل لا نحتاج إليه، ولكن إن كان مجرد عدم معرفة الصحابة للمتون العلمية لا يصلح للاحتجاج على ذم المتون = إلا أنه صالح للاحتجاج على أن قضية حفظ المتون قضية صناعية في وسائل التعلم يكون الكلام في تفضيلها كلامًا صناعيًا في إجراءات وسائل التعلم،وأن المسألة من مسائل النزاع السائغ في وسائل التعليم والدعوة، والتربية، التي لم يثبت نص في مدحها بعينها ولا ذمها بينها، فلا تعدو المسألة كلها قدرها، ولا يُذم من لم يفضلها إلا إن تعدى فقلل من شأن الحفظ أو تعدى بالبغي على مخالفيه ..
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)