أي: وكل قسم نذكره لك، لا نذكره لك إلا ببيانه وتوضيحه، لان المقصود هو البيان لا مجرد الذكر، ولذا قال: (وَحَدَّه) : أي مع حده، والحد هو: التعريف، والواو هنا تفيد المعية 0
ثم شرع في بيان هذه الأقسام واحدًا واحدًا، مع بيانها وتعريفها، مبتدأً بأجلها، وأعلاها، وهو الحديث الصحيح فقال:
أوَلُّها: الصحيحُ، وهُوَ ما اتصلْ إسنادُهُ، ولم يَشِذَّ، أو يُعَلْ
الحديث الصحيح
الصحيح في اللغة: السليم، وكأن هذا المعنى اللغوي، استعير في المعنى الاصطلاحي فاشترط السلامة في الرواة، والسلامة من العلل المنافية للصحة 0 واليك البيان:
لكي يوصف الحديث بالصحة، لابد أن تتوفر فيه شروط، بعضها ثبوتية: أي يجب أن تكون موجودة فيه، وبعضها سلبية: أي يجب أن تكون منقية عنه 0
فأول الشروط الثبوتية:
الاتصال: وهو أن يسمع كل راوٍ، ممن فوقه، حتى يبلغ منتهاه، سواء كان منتهاه الرسول r وهو المرفوع، أو كان منتهاه الصحابي (رضي الله عنهم أجمعين) وهو الموقوف، أو كان منتهاه التابعي وهو المقطوع 0
وبذلك خرج كل ما يقدح في الاتصال وهو يشمل:
1 -المنقطع، 2 - المعضل، 3 - المعلق، 4 - المرسل، 5 - المرسل الخفي، 6 - المُدَلس (بفتح الدال المهملة، واللام المضعّفة المفتوحة) 7 - المعنعن، وهذه كلها تنافي الصحة 0
لأن معناها: أن هناك حلقة مفقودة من سلسلة الإسناد، ولا يُدرى ما حال ذلك المفقود فيُرد الحديث بسببه 0
وسيأتيك بيان هذه الاصطلاحات إن شاء الله تعالى عند مظانها، بلّغنا الله إياها بمنه وفضله 0
والسند: هو سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن، ولم نقل: سلسلة الرجال الموصلة إلى المتن، وذلك مراعاة لوجود عدد كثير من النساء ممن لهن رواية للأحاديث النبوية 0
مثاله:
قال الإمام البخاري (رحمه الله تعالى) في الجامع الصحيح المختصر من أُمور رسول الله r وسننه وأيامه: حدثنا عبد الله بن الزبير الحُميدي، ثنا سفيان الثوري، ثنا يحيى بن سعيد القطان، ثنا محمد بن إبراهيم التيمي، ثنا علقمة بن وقاص الليثي، قال سمعت عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول: سمعت رسول الله r: ( إنما الأعمال بالنية، وانما لكل امرئٍ ما نوى 000) الحديث 0
فسلسلة الرواة تبدأ من الإمام البخاري، وتنتهي بعمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وهذا هو السند، واما قوله r: ( إنما الأعمال بالنيات) فهو المتن 0
تنبيه:
قول الناظم: (ما اتصل) أطلقه ولم يقيده بشيء، فلم يقل: اتصل برسول الله r 0 وهذا هو الصواب عند المحدثين 0
قال الحافظ ابن كثير) رحمه الله تعالى (:"فحاصل حد الصحيح: انه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسول الله r ، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه"0
قوله: (ولَمْ يَشِذَّ)
هذا أول الشروط السلبية، التي ينبغي أن تكون منفية عن الحديث الصحيح 0
فالشاذ في اللغة هو: الغريب، الفرد 0
وفي الاصطلاح: رواية الثقة مخالفًا من هو أوثق منه، أو جماعة من الثقات 0
وإن شئت قلت: الشاذ هو رواية المقبول مخالفا من هو أولى منه 0
فالمعتبر في الشذوذ أمران:
الأمر الأول: رواية الثقة، وان شئت قلت: رواية المقبول 0
الأمر الثاني: المخالفة في الرواية، أي أن الراوي المقبول يخالف من هو أولى منه سواء كان واحدا أم متعددا 0
فتُرد بذلك الرواية الشاذة، ولا يُحتج بها وإن كان بعض أهل الحديث من يقول: إن من الحديث الصحيح ما هو شاذ، وسيأتيك المثال التطبيقي للشذوذ في موضعه إن شاء الله تعالى 0
فائدة:
تضمنت كتب العلل، والتخريجات، تطبيقات كثيرة للشذوذ، الا انه لم يفرده أحد من المتقدمين، والمتأخرين بمصنف مستقل، مبني على التتبع والاستقراء إلا الشيخ عبد العزيز الغماري الطنجي المغربي الحسني الصوفي، كما أفادنا بذلك بعض شيوخنا، نفعنا الله تعالى بهم 0
والشرط الثاني من الشروط السلبية: هو سلامة الحديث من العلة 0
والعلة في اللغة هي: المرض، وهذا المعنى استُعير في المعنى الاصطلاحي فاشترط سلامة الحديث من كل (مرض) أو (علة) تؤذيه، فتنزله عن مرتبة الصحة إلى غيرها 0
أما العلة في الاصطلاح:
هي سبب خفي غامض، يقدح في صحة الحديث، مع أن الظاهر السلامة منه 0
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)