والخوض في العلل وتمييزها، وبيانها، لا يتكلم فيه إلا النقاد الأئمة، الحفاظ، الجهابذة، الذين افنوا أعمارهم في ممارسة الحديث النبوي الشريف، حتى اختلط بدمهم ولحمهم وأنفاسهم، ولذا لم يتكلم في هذا الشأن إلا القليل من الأئمة، مع السعة البالغة من المؤلفات في الحديث الشريف وأنواعه المختلفة 0
وكان للائمة نفس عجيب في تعليل الأحاديث النبوية وذلك من خلال تتبع مرويات الراوي الواحد، وعرضها على مرويات الثقات الاثبات المتقنين ليعرف حاله في موافقة الثقات أو مخالفتهم، وما يقع في حديثه من الوهم، والغلط والنسيان، ودخول حديث في حديث، ونحو ذلك مما يعرض للراوي 0
ولذا نجد روح التعليل عند الحفاظ المتأخرين كالذهبي، وابن حجر، والزيلعي، وابن عبد الهادي وأشباههم، اقل بكثير عمن تقدمهم كالدارقطني، وابن حبان، وابن خُزيمة وطبقتهم، وهؤلاء اقل من طبقة النُقاد، وفرسان الشأن الذي تقدموهم كالإمام البخاري، واحمد، وابن المديني، وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين، وشعبة بن الجراح وأضرابهم، ممن هم المعوّل عليهم في بيان أحوال الرجال ونقدهم 0
ومن تحصيل الحاصل قولنا: إن المعاصرين هم أضعف نقدا وتعليلا من المتأخرين، كالذهبي، ومن جاء بعده، وهم بالنسبة لمن تقدمهم أضعف نقدا، وان كان المتأخر والمعاصر قد يقف على أشياء لم يقف عليها المتقدم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم 0
ومما يدلك على خطر هذا العلم الجليل، أن الجاهل يعده كهانة، كما قال بعض الحفاظ:"معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل"0
وقال عبد الرحمن بن مهدي:"معرفة الحديث الهام، قال ابن نمير: صدق، لو قلت له: من أين؟ لم يكن له جواب"، وقال ابن مهدي:"إنكارنا الحديث عند الجاهل كهانة"0
وليس معنى ذلك انه غير قائم على قواعد وأصول معينة يعلمها أهل الصنعة، وإنما لدقة ذلك ولغموضه وخفائه، فلا يتعرف عليه، إلا الناقد الخبير، ولا يكشف زيفه وبهرجه إلا الجهبذ الصيرفي البصير0
فائدة: الشذوذ نوع من أنواع العلة، وليس كل علة شذوذًا، أي أن بينهما عموم وخصوص 0
فالعلة: أمر خفي غامض، لا يتعرف عليه إلا المتحقق بهذا الشأن، أما ما تجده في كتب التعليل والتخريج من الإعلال بالعلل الظاهرة كالانقطاع، والإرسال، والكذب، والوضع، فهو من باب المسامحة، باعتبار أنها تؤثر في سلامة الحديث وتخرجه من حد الاحتجاج والعمل به 0
وقولنا: يقدح في صحة الحديث معناه: أن هناك عللًا تقع في الأحاديث النبوية، ولكنها لا تُحدث أثرًا على صحة الحديث، ويبقى الحديث كما كان أولا؛ كأن يروي أحد الرواة حديثا عن راوٍ من الثقات، ولكنه اخطأ فيه فأنه معروف عن أخيه مثلًا، وهو ثقة أيضا، وكلاهما من شيوخه، فيبقي الحديث على وصف الصحة، ولم تؤثر فيه هذه العلة 0
وقولنا: مع أن الظاهر السلامة منها 0
هذا قيدٌ مهم جدًا، لأن العلل التي نتحدث عنها إنما تقع على الثقات الاثبات الحفاظ المشهورين، ولذلك يحكم غير الناقد على الرواية سندًا ومتنًا بأنها صحيحة، اغترارًا بظاهر الإسناد، بينما الحافظ الناقد لا يغتر بذلك، فلا يروج عليه الوهم، أو الخطأ، أو الانقلاب، ونحو ذلك 0
ومما يزيد الأمر صعوبة بالغة، انك تبحث في أحاديث أئمة أهل الحديث وفرسانه كمالك، وسفيان، وشعبة، ويحيى بن معين، واحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم، وامثالهم من الجبال الراسيات في هذا العلم 0
قال الإمام مسلم بن الحجاج) رحمه الله تعالى (:"ومع ما ذكرت لك من منازلهم في الحفظ ومراتبهم فيه، فليس من ناقل خبر، وحامل اثر، من السلف الماضين إلى زماننا، وان كان من احفظ الناس، وأشدهم توقيا واتقانا لما يحفظ وينقل إلا والغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله"0
ومن شاء الوقوف على تفصيل لما تقدم ذكره، فليرجع إلى ما كتبه الإمام الحافظ العلامة ابن رجب الحنبلي في شرحه الماتع على علل الترمذي، فانه قد شفى وكفى، واتى بمجامع النصوص، والنقول، فارجع إليه فانه مما يُستفاد، والله الموفق للصواب 0
قال الناظم (رحمه الله تعالى) :
يرويه عدلٌ ضابطٌ عن مثلهِ مُعْتَمَدٌ في ضَبْطِهِ ونقْلهِِ
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)