تقدم لنا ذكر أحد الشروط الثبوتية، وهو اتصال الإسناد، وعاد الناظم (رحمه الله) ، ليذكر لنا شرطين ثبوتيين آخرين هما: العدالة، والضبط 0
أما العدالة: فهي مَلَكة نحمل صاحبها على التقوى، واجتناب الادناس، وما يخل بالمروءة عند الناس 0
والعدل: هو المسلم، البالغ، العاقل، السالم من أسباب الفسق وخوارم المروءة 0
وقولنا:"عدل"احتراز عمن هو مستور العدالة أو فيه نوع جرح 0
وهذا التعريف عام في الرجل والمرأة، لقول رسول الله r: ( إنما النساء شقائق الرجال) 0
وهذه تلاحظ عند الأداء لا التحمل، ونعني بالأداء وقت نقل الرواية إلى الغير، ونعني بالتحمل وقت سماع الرواية من شيوخه 0
توضيح مفردات التعريف:
1 -الإسلام: فلا تُقبل رواية الكافر لقوله تعالى: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) (البقرة: من الآية282) وغير المسلم ليس من أهل الرضا قطعًا، لأن الكفر اعظم موجبات العداء للدين وأهله 0
2 -البلوغ: لأنه مناط تحمل المسؤولية، والتزام الواجبات وترك المحظورات 0
3 -العقل: لأنه لابد منه لحصول الصدق، وضبط الكلام، ولذا لا تُقبل رواية المجنون،أي فاقد العقل0
4 -التقوى: وهي اجتناب الكبائر، وترك الإصرار على الصغائر، وذلك لأن ركوب الكبائر من الفسق، وكذا الإصرار على الصغائر. يدل على ذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:6) وقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) (الطلاق: من الآية2) . وقوله تعالى: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) (البقرة: من الآية282) وهذه الآيات وان كانت في الأموال ونحوها، فان الرواية للحديث دين، فهي اجدر من المال في أن يُشترط لها هذا الشرط 0
5 -الاتصاف بالمروءة وترك ما يخل بها: وهو كل ما يحط من قدر الإنسان في العُرف الاجتماعي الصحيح، مثل التبول في الطريق، وكثرة السخرية والاستخفاف، لأن من فعل ذلك كان قليل المبالاة، فلا يؤمن عليه في نقل الحديث النبوي 0
فهذه الخصال إذا توفرت في الراوي عُرفت عدالته، وكان صادقًا، لأنها إذا اجتمعت في شخصٍ حملت صاحبها على الصدق وصرفته عن الكذب، لما توفر فيه من الروادع الدينية والاجتماعية، والنفسية مع الإدراك التام لتصرفاته وتحمل المسؤولية 0
تنبيهان:
1 -قال ابن الصلاح في علوم الحديث:"للصحابة بأسرهم خصيصة وهي انه لا يُسأل عن عدالة أحد منهم بل ذلك مفروغ منه، لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسُنة وإجماع من يُعتد به في الإجماع من الأمة"أ0 هـ كلامه0
فدع عنك تجهيلات أهل البدعة والمذمة وتلبيسات أهل الباطل، وتمسك بهذا فإنك على صراط مستقيم 0
2 -تحت ما تقدم (أي العدالة) أبحاث موسعة ليس هذا موطن الكلام عليها: كرواية المبتدعة، والصبي المميز، والكاذب في حديث الناس وغيرها، فليُنظر في مظانه من مطولات هذا الفن 0
أما الضبط:
فهو الإتقان، أي أن يروي الراوي الخبر كما سمعه من غير زيادة، ولا نقصان، ولا تغيير، ولا تبديل ونحو ذلك؛ والضبط له صورتان:
الصورة الأولى: ضبط الصدر، وذلك أن يستحضر المحدث (الراوي) الرواية متى أرادها، وهو الذي عبر عنه الناظم بقوله: (معتمدُ في ضبطه ونقله) 0
الصورة الثانية: ضبط الكتاب، وذلك أن يحفظ كتابه ويصونه من أن تصل إليه يد عابث، بالتغيير، أو التبديل، أو التصحيف والتحريف، وهو الذي عبر عنه الناظم بقوله: (ونقله) 0
ويُضاف إلى الضبط: أن يكون عالمًا بمعنى ما يرويه، وبما يحيل المعنى عن المراد، إن روى بالمعنى،حتى يثق المطلع على روايته، المتتبع لأحواله، انه أدى الأمانة كما تحملها لم يُغيّر منها شيئا 0
وتأمل قول الناظم: (عدلُ ضابط عن مثله) فإنه تنبيه مهم على أن الرواية لا تُقبل إلا من العدول بعضهم عن بعض؛ واحترزًا أن يكون العدل غير متقن لما يرويه، أو غير حافظ له قيده بالضبط، وبذلك خرجت رواية المغفل عن حد الاحتجاج به، لأنه لا يضبط الرواية ويخلط فيها، فاستحق ترك روايته 0
فائدة:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)