ولو قلنا: الحديث الحسن هو: ما اتصل سنه بنقل العدل الذي خف ضبطه، أو الضعيف ضعفًا منجبرًا عن مثله إلى منتهاه، وجاء من غير وجه، مع السلامة من الشذوذ والعلة، لكان افضل، لأنه يشمل بذلك الحديث الحسن بنوعيه، الحديث الحسن لذاته والحسن لغيره 0
وقد رأيت للحافظ ابن حجر كلامًا لطيفًا في تعريف الحديث الصحيح، قال فيه بعد تطويل:
"الحديث الصحيح: ما اتصل بنقل العدل الضابط، أو الذي خف ضبطه وجاء من غير وجه"، وهذا مصير منه إلى أن المُعَرِف يجب أن يذكر حقيقة المُعَرَّف وماهيته، ولما كان الصحيح نوعين، لزم أن يُذكرا معًا 0
أقول: وكذلك الحديث الحسن نوعان، فأحوج المُعَرِف أن يذكره بنوعيه ليكون التعريف جامعًا مانعًا، ثم رأيت نحوا من هذا الكلام للإمام ابن دقيق العيد، نقله عنه الحافظ السيوطي والحمد لله تعالى على توفيقه 0
قال الناظم (رحمه الله تعالى) :
وكلُّ ما عنْ رتبةِ الحُسْنِ قَصُرْ فَهُوَ الضعيفُ وهُوَ أقسامٌ كَثرُْ
أقول:
ينقسم الحديث عند اكثر أهل الحديث إلى ثلاثة أقسام:
الحديث الصحيح، وقد سبق بيانه 0
الحديث الحسن، وقد سبق بيانه أيضا 0
الحديث الضعيف، وهو ثالث الأقسام 0
قال الحافظ السيوطي في ألفيته:
والأكثرون قسموا هذي السننْ إلى صحيحٍ وضعيفٍ وحسنْ
والضعيف:
لغة من الضعف خلاف القوة، وهو بفتح الضاد وضمها لغتان مستعملتان في ضعف البدن، وضعف الرأي والعقل 0
أما في الاصطلاح: فهو ما تقاصر عن درجة الحسن، كذا عبر عنه الناظم (رحمه الله تعالى) 0 وقد مر بك أن الحسن هو: ما رواه العدل، الضابط الذي قل ضبطه 000 الخ 0
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني:"الضعيف هو ما لم تجتمع فيه صفات القبول"0
وهو أجود من قول ابن الصلاح ومتابعيه:"أن الضعيف هو كل حديث لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح، ولا صفات الحديث الحسن"0
فقد اعترض عليه:
بأنه لو اقتصر على نفي صفات الحسن لكان اقصر، لأن نفي صفات الحسن مستلزم لنفي صفات الصحيح 0
والذي يبدو لي أن قول الناظم البيقوني) رحمه الله تعالى (، متابعة منه للحافظ العراقي) رحمه الله تعالى (في ألفيته المشهورة التي نظم فيها ابن الصلاح فقال:
أما الضعيفُ فهو ما لم يبلغ مرتبة الحُسن، وإن بُسِطَ بُغيْ
تنبيه:
صفات القبول هي الشروط الواجب توفرها في الحديث الصحيح، والحسن، وهي:
اتصال السند 0
عدالة الرواة 0
السلامة من كثرة الخطأ والغفلة 0
مجيء الحديث من وجه آخر، حيث كان في الإسناد مستور لم تُعرف أهليته، وليس متهمًا، ولا كثير الغلط 0
السلامة من الشذوذ 0
6 -السلامة من العلة القادحة 0
فوائد:
من المسائل المهمة التي تدل على دقة نظر المحدثين في تطبيق أصول النقد قولهم: انه لا يلزم من ضعف السند ضعف المتن، كما لا يلزم من صحة السند صحة المتن، فقولهم: ضعيف الإسناد اسهل من قولهم: ضعيف، لأن هذا حكم على سند مخصوص بالضعف، وقولهم: حديث ضعيف معناه انه لا يصح له طريق بل كل طرقه مطعونٌ فيها 0
ولم يتعرض الناظم (رحمه الله تعالى) إلى حكم رواية الحديث الضعيف، فنورده هنا تتميما للفائدة فنقول:
الصواب الذي عليه المحققون من أهل هذا العلم أن الحديث الضعيف لا يُعمل به مطلقًا، لا في العقائد، ولا في الأحكام (أي الحلال والحرام) ، ولا في الأخلاق، ولا في الرقائق والمواعظ، لأن ذلك كله من الدين، والتعبد لا يكون إلا بما ثبت عن الرسول محمد r ، وهذا الذي ذكرناه هو قول البخاري، ومسلم، ويحيى بن معين، وابن حزم، وابن العربي، وخلائق من الحفاظ المتقدمين، والمتأخرين، وهو الذي نُدين الله تعالى به، لأن في السنة النبوية الصحيحة الثابتة النسبة إلى رسول اللهrغنية وكفاية عن الأحاديث الضعيفة 0
وهناك من أهل هذا العلم من قال بجواز العمل بالحديث الضعيف، إلا انهم وضعوا له ضوابط أربعة، وهي:
1 -أن لا يكون الضعف شديدًا، فيُخرِج من انفرد من الكذابين، والمتهمين بالكذب ومن كثر غلطه 0
2 -أن يندرج تحت اصل معمول به 0
3 -أن لا يُعتقد عند العمل به ثبوته، الاحتياط لئلا ينسب إلى النبي r ما لم يقله 0
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)