قال شيح الإسلام ابن تيمية (رحمه الله تعالى) :"والإسناد من خصائص هذه الأمة، وهو من خصائص الإسلام، ثم هو في الإسلام من خصائص أهل السنة، والرافضة اقل عناية به"0
قال محمد بن سيرين:"إنهم كانوا لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة، فلما وقعت الفتنة قلنا:سموا لنا رجالكم، فمن كان من أهل السنة اخذ حديثه، ومن كان من أهل البدعة رد حديثه"0
ومن فوائد بعض شيوخنا - نفعنا الله تعالى بهم - ممن قرأنا عليهم علوم الحديث:"صحة الإسناد من خصائص هذه الأمة"0
ومما يعتني به المحدثون: علو الإسناد، ولذلك اشتهر عندهم:"قرب الإسناد قربة إلى الله تعالى"0
وقال الإمام احمد بن حنبل:"الإسناد العالي سنة عمن سلف"0
وقيل ليحيى بن معين في مرض موته:"ما تشتهي؟ قال:"بيت خال وإسناد عال"0 أي بيت خال للقراءة والمذاكرة، كما أفادنا بذلك بعض شيوخنا - نفعنا الله تعالى بهم - 0"
بل علو الإسناد ثابت قرانًا وسنة، وفعله الصحابة الكرام فكانوا يرحلون في طلب العالي من الأسانيد 0
أما القرآن الكريم، فما قصه الله تعالى علينا من نبأ موسى والعبد الصالح الخضر، كما في سورة الكهف 0
قال الإمام القرطبي) رحمه الله تعالى(:"في هذا من الفقه رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم وذلك كان دأب السلف الصالح وبسبب ذلك وصل المرتحلون إلى الحظ الراجح وحصلوا على السعي الناجح، فرسخت لهم في العلوم أقدام وصح لهم من الذكر والأجر والفضل أفضل الأقسام"0
وقال الإمام المحقق محمد بن علي الشوكاني) رحمه الله تعالى(:"قال الزجاج: وفيما فعل موسى وهو من جملة الأنبياء من طلب العلم والرحلة في ذلك ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم وإن كان قد بلغ نهايته وأن يتواضع لمن هو أعلم منه"0
قلت: ومن فوائد الرحلة التماس العوالي من الأسانيد والأحاديث والروايات 0
وفي السنة المطهرة من حديث انس بن مالك قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله r عن شي فكان يعجبنا أن يأتيه الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع فأتاه رجل منهم فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك؟ قال: صدق 000) الحديث بطوله 0
قال الحاكم) رحمه الله تعالى (:"فيه دليل على إجازة طلب المرء العلو من الإسناد، وترك الاقتصار على النزول فيه، وان كان سماعه من الثقة، والبدوي لما جاءه رسول رسول الله r فأخبره بما فرض الله عليهم لم يقنعه بذلك حتى رحل بنفسه إلى رسول الله r وسمع منه فابلغه الرسول عنه، ولو كان طلب العلو في الإسناد غير مستحب لأنكر عليه المصطفى سؤاله إياه عما اخبره رسوله عنه، ولأمره بالاقتصار على ما أخبره الرسول عنه"0
والإسناد العالي كما قال الناظم (رحمه الله) :
وكل ما قلت رجاله علا ـــــــــــــ
وان شئت قلت: ما قل عدد الرواة فيه إلى رسول الله r 0
أو: ما قربت رجال سنده من رسول اللهrبسبب قلة عددها، بالنسبة إلى سند أخر يرد بذلك الحديث بعينه بعدد كثير، أو بالنسبة لمطلق الأسانيد 0
وهو في الجملة قسمان:
العلو المطلق: وهو ما كان قريبًا إلى رسول الله r 0
والعلو النسبي: وهو القرب من إمام حافظ، أو مصنف، أو بتقدم السماع ونحو ذلك 0
وفي كل منها تفصيلات يطول إيرادها وشرحها وتوضيحها من الموافقة والبدل والمساواة والمصافحة وغيرها، مع أنه لا يندرج تحت ذلك كبير فائدة 0
وإنما يمدح العلو من جهة صحة السند، فان كان السند ضعيفًا وهو عال لم يمدح، ولم ينفعه علوه شيئا، وذلك لأن المقصود هو صحة الحديث، وبالتالي ما يبتنى عليه من العمل 0
قال ابن الصلاح:"العلو يبعد الإسناد من الخلل، لأن كل رجل من رجاله يحتمل أن يقع الخلل من جهته سهوًا أو عمدًا، ففي قلتهم قلة جهات الخلل، وفي كثرتهم كثرة جهات الخلل، وهذا جلي واضح"0
وقول الناظم (رحمه الله) :
ـــــــــــ وضده ذاك الذي قد نزلا
أي أن أحكام السند النازل هي عكس أحكام السند العالي، التي تقدم بيانها، فمن عرف العلو، فقد عرف ضده 0
قال الحافظ ابن كثير (رحمه الله تعالى) :"وأما النزول فهو ضد العلو، وهو مفضول بالنسبة إلى العلو، اللهم إلا أن يكون رجال الإسناد النازل أجل من رجال العالي وان كان الجميع ثقات"0
فالنازل:
هو ما كثرت الوسائط فيه حتى ينتهي به إلى رسول الله r ، أو إمام من أئمة الحديث 0
وقد ذهب بعض من لم يتحقق بهذا العلم إلى تفضيله على العلو بدعوى: أن كثرة الوسائط توجب مزيد بحث في أحوال الرواة، والأجر على قدر المشقة 0
ولا يخفاك إن شاء الله تعالى ضعف هذا القول، وانه قول مرجوح، بل قال علي بن المديني) رحمه الله تعالى (:"النزول شؤم"0
فائدة:
أعلى ما في الكتب الستة والمسند من المرويات ما تسمى بالثلاثيات، وهي الروايات التي فيها ثلاثة رواة ثم ينتهي السند إلى رسول الله r ، وعدتها في الجامع الصحيح للبخاري: 22، وفي جامع الترمذي:1 وفي سنن ابن ماجه: 5، وفي مسند الإمام احمد: نحوا من مائتي حديث 0 وليس في صحيح الإمام مسلم، ولا في سنن أبي داود والنسائي من الأحاديث الثلاثية شيئا 0
وقد تصدى لشرحها العديد من الفضلاء، منهم العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن احمد السفاريني الحنبلي الذي شرح ثلاثيات المسند وسماها نفثات الصدر المكمد شرح ثلاثيات المسند، والله تعالى اعلم 0
تنبيه:
يقع في كلام كثير من أئمة الحديث وحفاظه، كالخطيب البغدادي والمزي والذهبي وابن حجر وغيرهم ذكر العوالي من أحاديثهم، وأنواعها المختلفة التي أشرنا إليها كالموافقة والمصافحة 000
قال الحافظ ابن كثير (رحمه الله تعالى) :"وعندي: انه نوع قليل الجدوى بالنسبة إلى بقية الفنون"0
ووجه قلة جدواه ما ذكره الحافظ السيوطي (رحمه الله تعالى) بقوله:"وذلك لان العالي والنازل من الفضلات لا من الأصول المهمة"0
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)