قال العلامة المحدث الشيخ احمد محمد شاكر) رحمه الله تعالى(:"وتجد الكلام على علل الأحاديث مفرقا في كتب كثيرة من أهمها: نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، للحافظ الزيلعي، والتلخيص الحبير وفتح الباري كلاهما للحافظ ابن حجر، ونيل الاوطار للشوكاني، والمحلى للإمام الحجة أبي محمد بن علي بن حزم الظاهري، وكتاب تهذيب سنن أبى داود للعلامة المحقق ابن قيم الجوزية"0
قلت: ومن احسن ما كتبه المعاصرون وأجَلِّهِ وأفحَلِهِ"سلسلة الأحاديث الصحيحة"و"سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة"و"ارواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل"جميعها لمحدث العصر وحافظه وناقده أبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني) رحمه الله تعالى (، فانه أتى بما يستجاد في هذا الباب، ولا اعلم أحدا يشاركه فيه على البسط والتوسع، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء 0
قال الناظم (رحمه الله تعالى) :
وذُو اختلافِ سَنَدٍ أوْ مَتنِ مُضْطَرِبٌ عِنْدَ أُهَيْلِ الفنِّ
المضطرب: اسم فاعل من اضطرب، يُقال: اضطرب الموج أي ضرب بعضه بعضًا واضطرب الأمر اختل 0
أما في الاصطلاح: فهو أن يروي الراوي الحديث على وجوه مختلفة متساوية، لا يمكن ترجيح بعضها على بعض، أو الجمع بينها بوجهٍ من الوجوه 0
وقد مثل له ابن الصلاح) رحمه الله تعالى (بحديث أبي بكر(رضي الله عنه) قال: (يا رسول الله، أراك قد شبت؟ قال: شيبتني هود وأخواتها) 0
قال الدارقطني) رحمه الله تعالى(: هذا حديثٌ مضطرب، فأنه لم يروَ إلا من طريق أبي إسحاق وقد اختلف فيه على نحو عشرة أوجه: فمنهم من رواه عنه مرسلًا، ومنهم من رواه موصولًا، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة، ورواته ثقات لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض والجمع متعذر 0 وقد رجح بعض أهل العلم بالحديث بعض الروايات المتقدمة على غيرها، فحكم بصحة الحديث المذكور، فخرج بذلك عن حد الاضطراب 0
وقول الناظم)رحمه الله تعالى (:(أُهَيْل) تصغير كلمة أهل، واستخدم التصغير هنا للتحبب، وله استعمالات أخرى ليس هنا موضع ذكرها، وانما تنظر في مظانها من كتب اللغة، والله الموفق 0
تنبيهات:
1 -الاضطراب قد يقع في المتن فقط وهو النادر، وقد يقع في السند، وهو الأكثر، وقد يقع فيهما معًا 0
2 -إذا ترجحت إحدى الروايات بأحد وجوه الترجيح كحفظ راويها، أو ضبطه، أو طول صحبته لمن روى عنه، كانت الراجحة صحيحة والمرجوحة شاذة أو منكرة 0 ولا يوجد ضابط كلي لهذا، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص، ونقد خاص، ولا يخفى هذا على الممارس النابه، الذي عنى بجمع الطرق، فدل هذا على أن الاضطراب يقع في الأحاديث الصحيحة والحسنة 0
3 -إذا تساوت الروايات، وامتنع الترجيح كان الحديث مضطربًا، والاضطراب موجب لضعف الحديث لأنه يُشعر بعدم ضبط الراوي للحديث 0
4 -إذا اختلف في اسم راوٍ أو اسم أبيه أو نسبته مثلًا وهو ثقة، فان الحديث يُحكم له بالصحة، ولا يضر الاختلاف فيما ذُكِر، مع تسميته مضطربًا 0
5 -للحافظ ابن حجر كتاب سماه: (المقترب في بيان المضطرب) التقطه من كتاب (العلل) للإمام الدارقطني، وصفه الشيخ المتولي (ت 1003 هـ) في مقدمة شرحه على الجامع الصغير فقال:"أفاد وأجاد"0 قلت: ولكنه مفقود 0
قال الناظم (رحمه الله تعالى) :
والمُدْرَجَاتِ في الحديثِ ما أَتَتْ من بعضِ ألفاظِ الرواةِ اتصَلَتْ
الحديث المدرج
الإدراج في اللغة هو: الطيّ، واللّف، وإدخال الشيء في الشيء 0
أما في الاصطلاح فهو الذي بينه الناظم) رحمه الله تعالى(: بأن المدرج هو ما اتصل بالحديث من ألفاظ الرواة من غير بيان انه ليس من الحديث 0
قال الحافظ الذهبي)رحمه الله تعالى (:"هي ألفاظ تقع من بعض الرواة متصلة بالمتن، لا يُبين للسامع أنها من صلب الحديث، ويدل دليل على أنها من لفظ راوٍ بأن يأتي بالحديث من بعضِ الطرق بعبارة تفصل هذا من هذا"0
ويقع الإدراج في السند والمتن، وإذا وقع في المتن فانه يحصل في أوله وأوسطه وآخره 0
الطريق إلى معرفة الإدراج من وجوه:
1 -أن يستحيل إضافة ذلك إلى النبي r 0
2-أن يصرح الصحابي بأنه لم يسمع تلك الجملة من النبي r 0
3-أن يصرح بعض الرواة بتفصيل المدرج عن المتن المرفوع فيه بأن يضيف الكلام إلى قائله 0
4 0 أن ينص بعض الأئمة المطلعين على ذلك 0
حكمه:
قال الشيخ احمد شاكر: أما الإدراج لتفسير شيء من معنى الحديث، ففيه بعض التسامح، والأولى أن ينص الراوي على بيانه. وأما ما وقع من الراوي من غير عمد، فلا حرج على المخطئ إلا أن كثر خطؤه، فيكون جرحًا في ضبطه وإتقانه 0
فائدة:
ولعل سائلا يقول: لماذا يحصل الإدراج في الأحاديث النبوية؟ 0فالجواب: أن الحامل على الإدراج أمور عدة منها:
1 -استنباط حكم فقهي من الحديث 0
2 -استدلال على مسألة معينة 0 3 - شرح لفظة غريبة وردت في الحديث (كالتحنث) فسرها الزهري فقال: (وهو التعبد) 0
تنبيهات:
1 0 الأصل في الأخبار عدم الأدراج فيها، حتى يقوم الدليل على وقوعه 0
2 0 في هذا النوع صنف أبو بكر الخطيب كتابه الموسوم"الفصل للوصل المدرج في النقل"وقد لخصه الحافظ ابن حجر في"تقريب المنهج بترتيب المدرج"واختصره السيوطي في"المدرج إلى المدرج"، ورتب الجميع مع الاختصار والزيادة الشيخ الغماري في"تسهيل المدرج إلى المدرج"0
3 0 قال الحافظ ابن كثير) رحمه الله تعالى (:"وقد وقع من ذلك - أي الإدراج - كثير في الصحاح والحسان والمسانيد وغيرها"0
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)