ويحاول الأستاذ في مذكراته أن يظهر بمظهر الوطني الكبير والمصلح العظيم و الأخلاقي المثالي؛ و لكن لا يلبث أن يخونه قلمه فيكشف عن نفسه، ويذكر مثلًا أنه عمل وزيرًا مع حقي بك العظم، والشيخ تاج الدين الحسني خمس سنين وسبعة أشهر في ظل الانتداب الفرنسي، ثم هو يطلق قلمه فيهما بالنقد اللاذع والتجريح، ويصفهما بضعف الشخصية، والمحسوبية والخضوع للسلطة الفرنسية خضوعًا تامًا مطلقًا وتفيذ أوامرها مهما كانت ضارة بالبلاد .. إلى آخر ما قاله فيهما، والرجل الأخلاقي المثالي لا يبيح لنفسه أن يشغل الوزارة أكثر من خمس سنين مع مثل هذين الرجلين لو صدق فيهما، إن الرجل الأبي الشجاع الأبي يرفض أن يعمل مع من يعقتد أنه يضر البلاد مهما ادعى أنه يريد الإصلاح، وأنكى من ذلك أنه يذكر أنه كان يشتغل معهما رغم أنفهما، ولم يكن يحميه في الوزارة ويضغط عليهما في إبقائه إلا السلطة الفرنسية، أيرى الأستاذ أن حب الفرنسيين لبقائه كان صادرًا عن غفلة منهم، فيظنوا فيه أنه يشايعهم وهو في الحقيقة يناهضهم؟ أو أنهم يعلمون حق العلم حقائق الرجال ومن ينفعهم ومن يضرهم، وأنهم لولا ما يجدون فيه من خدمة كبيرة لهم ما أبقوه لحظة، ولانتهزوا فرصة غضب رؤسائه عليه فأخرجوه من الوزارة مغتبطين مسرورين!
الحق أنه قد تم في عهد وزارته أكبر مصائب سورية وهو تقسيمها إلى دويلات أربع وتمزيقها إلى وحدات متعددة، لك دويلة علم، ولكل دويلة إدارة، وما تحرك الأستاذ ولا حدثته نفسه بالاستقالة رغم كل هذا، وإنما بقى مطمئنًا راضيًا عما يجري حتى نحى الفرنسيون الوزارة كلها.
وقد كان الأستاذ ـ كما ذكر في مذكراته ـ يُدْعى عند رئيس الوزارة الشيخ تاج الدين الحسني ليؤنس الذين يدعوهم الرئيس من سيدات الفرنسيين وسادتهم؛ كما كان يدعى لاستقبال المندوب السامي في بيروت عند حضوره من فرنسا، فيلبي الأستاذ هذه الدعوات راضيًا مغتبطًا فخورًا، وهكذا، وهكذا مما تتكشف عنه المذكرات.
وآخر ما كنت آمله فيه أن يتحرى الصدق فيما يقول، ولكن خاب أملي في هذا أيضًا، فقد رأيته يذكر عني حادثتين أشهد الله أنهما كاذبتان؛ كما يذكر كثيرًا من الأحداث عن أشخاص متعددين في مصر والشام يكذبونها وينكرونها.
وأسوأ ما في هذا أنه يشكك القراء في كل ما صدر عنه حتى في كتابه تاريخ خطط الشام، والحضارة الإسلامية، فمن يدري! لعله استباح لنفسه من خلق الأحداث ما استباحه في الرواية عن الأحياء، بهذا لم يكن أساء إلى نفسه فقط، ولكنه أساء إلى المؤرخين جميعًا، ولعل كثيرًا ممن ورد ذكرهم في الكتاب واتهموا بالجهل أحيانًا، والجاسوسية أحيانًا، والرشوة وقلة الذمة أحيانًا، لم يكن فيهم شيء من هذا، وإنما نشأت من سوء ظن الأستاذ أو اختراع خياله أو فساد في حكمه على الأشياء.
وعلى الجملة فهذه المذكرات لم تصدر إلا بخذلان من الله كبير، فالله يعفو ويغفر له ( [1] ) .
[1] - فيض الخاطر، للأستاذ أحمد أمين، 128ـ 133، ج 8، ط1، مكتبة النهضة ـ مصر ـ 1953م.
*منقول
ـ [أبو الطيب أحمد بن طراد] ــــــــ [17 - 07 - 10, 03:18 ص] ـ
أحسنت يا أبا مشاري بنقل قول أحمد أمين، وشكرًا للإشارة، وللفائدة رأيت في كتاب جمال الدين القاسمي وعصره كلامًا يشبه كلام أحمد أمين، وهو للأستاذ محمد ظافر بن محمد جمال الدين القاسمي (صاحب محاسن التأويل المفسر المشهور) ، وسأنقل رأي الأستاذ الظافر ـ إن شاء الله لكم ـ إذا يسر الله لنا