هو محمد بن إسحق بن محمد بن إسحق أبو الفرج بن أبي يعقوب النديم صاحب كتاب الفهرست و هو بغدادي و يظن انه كان وراقا . و يجدر بالذكر أن محقق طبعة الفهرست في إيران رضا - تجدد أشار في مقدمة تحقيقه إلى أن اسم صاحب الفهرست هو النديم و ليس ابن النديم و بين أنه تأكد من ذلك لما وجده مكتوب على إحدى المخطوطات التي اعتمد عليها في تحقيقه و هي مخطوطة جستربيتى رقم 3315 بدبلن على الهامش من اليمين: مؤلف هذا الكتاب أبو الفرج محمد بن أبي يعقوب إسحق بن محمد بن إسحق الوراق المعروف بالنديم . قلت: و قد سماه النديم غير واحد وعلى سبيل المثال ياقوت الحموي في معجم الأدباء حيث ترجم له بقوله: محمد بن إسحق النديم . و لقد أجمع المؤرخون و النقاد على أن كتاب الفهرست يعد من أقدم الكتب التي عنيت بفهرسة المؤلفات التي صنفت في مختلف العلوم و الفنون و نسبتها إلي مؤلفيها. أما عن وقت تصنيفه لكتابه الفهرست فلقد أشار هو نفسه أنه صنفه في عام 377 هـ و ذلك في مقدمته للكتاب. و لم يحدث الاختلاف في اسم النديم فقط بل اختلف أيضا في تاريخ وفاته على عدة أقوال فمنهم من قال أنه توفى عام 438 هـ و رجح ذلك أبو طاهر الكرخي .
و حاول الزركلي أن يجمع بين ما ذكره النديم عن زمن تصنيفه للفهرست و بين ما ذكره الكرخي عن زمن وفاته فقال إنه ألف الفهرست في شبابه و عاود النظر فيه في كهولته و عاش قراب تسعين سنة . لكن من حقق كتاب الفهرست على النسخ الخطية و هو رضا- تجدد و الذي سبق أن ذكرنا تحقيقه لاسم المؤلف فقد أشار أيضا في مقدمة تحقيقه إلي أن تاريخ الوفاة كان مذكورا في نفس المخطوطة و هي جستر بيتي على الهامش من اليمين ( .. و توفي يوم الأربعاء لعشر بقين من شعبان سنة ثمانين و ثلاثمائة ببغداد .. ) . و قد قال بوفاته في هذه السنة أيضا كلا من الذهبي و الصفدي و المقريزى. و هذا يدل على أن المؤلف عاش ثلاث سنوات فقط بعد نسخه للكتاب . و لعل هذا التاريخ هو الراجح لوفاته على الرغم من أن هناك من يقول بأنه توفي سنة 385 هـ . أما عن مؤلفات النديم الأخرى فقد أشار ياقوت الحموي في معجم الأدباء أن له كتابا آخر اسمه التشبيهات .
صنعته:
لعل الراجح أن النديم كان وراقا و ربما يكون قد ورث تلكم الصنعة من أبيه كما أشار إلى ذلك البعض. و الوراق هو المعني بعملية نشر الكتاب من نسخ و تجليد و ضبط و نحو ذلك. واختلف المؤرخون في قيمة الوراقين، فهناك من حط من شأنهم و نسبهم إلى الجهل، و منهم من رفعهم إلى مرتبة العلماء. لكن مما لا شك فيه أن من الوراقين من كان ناسخا فقط ليس له نصيب من العلم و منهم من كان مزورا سارقا و كذلك منهم من كان عالما بل كان هناك من العلماء من يتكسب بالوراقة و النسخ. لذا فالحكم عليهم بصفة واحدة فيه عدم إنصاف لاسيما و قد ساهمت الوراقة مساهمة كبيرة في حفظ التراث. و قد ازدهرت تلك الصنعة ازدهارا كبيرا مع الدولة العباسية و ابتداءا من القرن الثالث الهجري و لعل من أهم أسباب ذلك الازدهار هو انتشار حركة التأليف و التصنيف في شتى العلوم و الفنون و كذلك حركة الترجمة فاحتيج لمن يحفظ هذا الجهد المبذول و تلكم التصانيف. و بما أن النديم قد عاش في القرن الرابع الهجري فلقد تأثر بلا شك بهذه النهضة العلمية و الفكرية خاصة و أنه كان بغداديا و لا يخفى أن بغداد كانت حاضرة الخلافة العباسية و محط أنظار العالم وقتها.
مذهبه:
النديم كان شيعيا معتزليا، و أدهشني حقا أني وجدت في كثير من المؤلفات التي تحدثت عن النديم و كتابه تجاهلا غريبا لمذهبه. مع أنه لا يخفى على أحد أن العصبية المذهبية تجرف المؤلفين للتعصب ضد مخالفيهم بل و التزييف و الكذب أحيانا و هذا ما سأحاول توضيحه في مبحث خاص يوضح أثر مذهبيته في تصنيف كتابه لا لشئ إلا لمحاولة إظهار الحق. و لقد صرح النديم في مواطن كثيرة من الكتاب بتشيعه سواء عن طريق وصفه أهل السنة بالعامة و الشيعة بالخاصة أو بصورة غير مباشرة عن طريق تراجمه الناصعة لبعض المؤلفين الشيعة المتعصبين. و مما زاد عجبي أننا لا نكاد نري - فيما بين أيدينا من كتب التراجم - من ترجم للنديم من معاصريه أو حتى ممن جاء بعده بسنوات مثل الخطيب البغدادي رحمه الله في كتابه تاريخ بغداد، و قد عاش الخطيب من (392 هـ إلى
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)