ـ [العويشز] ــــــــ [06 - 08 - 07, 01:03 ص] ـ
فيصل بن علي البعداني
زرت بلدًا عربيًا فحكيت لأحد أهل العلم الفضلاء فيه عجبي من واقع بعض الدعاة المنتسبين إلى التيارات الدعوية ومؤسسات العمل الخيري وما يتسم به كثير منهم من محدودية في النظر، وضيق في الأفق، وتعصب مقيت أدى إلى ازدرائهم الآخرين، ونظرة دونية لأعمالهم، وعدم الفرح بشيوع الخير عن طريق غيرهم ... فتأوه قليلًا، ثم قال: لا تعجب يا أخي! فإن مؤسساتنا الدعوية والخيرية كالخشبة المحمولة، والدعاة حولها على صنفين: صنف يحملها، وصنف تحمله. فأمَّا الذي يحملها فإنك تجده فرحًا بكل من يأتي ليعينه في حملها، بل إن بعض عقلاء هذا الصنف تجدهم دومًا يسبرون العدد الذي يشاركهم في حملها؛ فإذا رأوا فيه كفاية تخلوا عن مواقعهم لغيرهم وهم جذلين، وبحثوا عن خشبة أخرى لا يكفي من يحملها فحملوها. وأما الذي تحمله فهو متعلق بها مع تظاهره بحملها، وأنت لاقٍ هذا الصنف دومًا يحاول أن يحول بين الدعاة والقرب من الخشبة؛ فإذا اتجه أحد نحوها تضايق غاية التضايق ظنًا منه أنه سيفعل كفعله، وعندها ينفضح حاله، ويتجلى عواره، ولا يتمكن من الاستمرار في تعلقه.
واستطرد قائلًا: ولو تأملت في خِلال الجادين من أصحاب الصنف الأول القائم بتلك المؤسسات الدعوية والخيرية من عامة المنتمين للعمل الإسلامي لرأيت أن من أبرزها في الغالب الأعم ـ مع أن مدار الأمر على صلاح النية والسلامة من الأهواء والتخفف من حظوظ النفس ـ امتلاك حظ وافر من العلم والمعرفة أو مقدار معتبر من الخبرات الدعوية والتربوية أو جانب ذي بالٍ من الملاءة المالية أو المنزلة الاجتماعية ... ونحو ذلك من جوانب القوة الذاتية التي تجعل المرء في موقف المعطي في خدمة الدعوة ونشرها وحمايتها بما يجيد أو يملك من جوانب القوة بكل انضباطٍ وتفانٍ، ولذا تجد هذا الصنف الموفق ينهض بتيارات العمل الإسلامي ومؤسساته الدعوية والخيرية التي ينتمي إليها دون أن يأخذ في اعتباره أن يثبِّت نفسه ويوطِّن قدمه في مواقع من مواقعها الإدارية التي قد تعود عليه بجاه أو مصلحة.
وتجده حين يختلف مع بعض من فيها من ذوي النفوذ أو القرار يبادر إلى ترك موقعه فيها بعد إبداء النصح من دون إحداث جَلَبَة أو جلجلة مع استمرار خدمتها وتقديم العون لها والحرص على استمرار نفعها.
وتجده مفتاح خيرٍ يشجع كل أحد على إتيان الخير وبذل المعروف مع تقديم ما يقدر من خبرة ومعونة ونصيحة سواء أكان منتميًا للمؤسسة التي يعمل فيها والتيار الدعوي الذي هو مقتنع به أم لا.
أما الصنف الآخر فلو تأملت في حاله لوجدته يقوم على مؤسسات العمل الدعوي والخيري ولا يقوم بها، ولذا فهو يخاف على مصالحه ومركزه باسم الخوف على الدعوة ومكتسباتها من أن تمس بسوء أو أذى. وآية هذا الصنف أن عامة عمره مفني في الحديث عن جلالة العمل المؤسسي وضرورة العمل في إطار فريق واحترام قيادات العمل الدعوي وعدم نقدها أو الاعتراض على رأيها مهما بدر منها من زللٍ بذريعة الخوف من تفرق الصف وتشتت الكلمة وسخرية الأعداء، وترى كثيرًا منهم بمرور الوقت يخرج عن النَّصَف ويزداد في هذا الجانب غُلُوًّا يُصَيِّر الوسائل غايات والغايات قشورًا وترهات.
وإضافة إلى ما ذكرتَ من ازدراء الآخرين وعدم الفرح بالعمل للدين إن لم يخرج من العباءة التي ينتمون إليها؛ إن لم يصل الأمر إلى ممارسة التضييق والتشويه المتعمد والوشاية الظالمة على من ليس تحتها .. تجد الضيق بالحوار الناضج والنقد البناء والمناصحة المسؤولة، والوصاية على مصلحة العمل الدعوي والخيري وكأن أحدًا لا يهمه أمرها غيرهم، والإغراق في تقديس القيادات والرموز، وتقريب أصحاب هزِّ الرؤوس الذين يؤمِّنون على الأقوال والأطروحات التي يتلقونها ويتفانون في فرضها والدفاع عنها في أروقة العمل الدعوي والخيري ثقة بمن يمليها عليهم من دون ما فهمٍ أو استيعاب لواقع أو دليل.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)