وواصل كلامه عن الإمام ابي فهر قائلا:"وهو منصف ومتواضع؛ كان من تلاميذه صديقٌ من أصدقائنا وإمام في العربية -أيضا- هو أحمد راتب النفاخ: هذا من الناس الذين لقيت من برهم لي الشيء الكثير، ولم أرد له ولو شيئا يسرا مما أسداه إلي .."
محمود شاكر يقول عن النفاخ في مقدمة أحد كتبه: كتب إلي تلميذي أحمد راتب النفاخ، ثم صديقي أحمد راتب النفَّاخ، ثم أستاذي أحمد راتب النفَّاخ
[تُ: أخلاق العلماء .. رحمهم الله ورضي عنهم]
-على الهامش:"من أغرب ما مرَّ علي في حياتي .."
1 -يقول الشيخ:"أهداني أبو فهر رحمه الله تحقيقه لكتاب: طبقات فحول الشعراء، وكتب إليَّ ملء صفحة، إهداءً لكتابه: فحين عدتُ إلى الشام .. اعرته لأحد أصدقائنا -ولا داعي لذكر اسمه! - وهذا من أغرب ما مرَّ علي في حياتي، فلما ردَّ إلي الكتاب، قال لي إن الإهداء أعجبه كثيرا، فشطب اسم محمود شاكر، وكتب اسمه -على أنه مهدي الكتاب-!! .."
2 -وحادثة ثانية: لما بدأ سيد قطب رحمه الله يصدر تفسيره:"في ظلال القرآن"قبل أن يسجن .. أهداني الأعداد الأولى .. وفيها عبارات أفاض فيها سيد من نبع قلبه الكبير، ومن محبته إهداءات جميلة جدا .. هذه الأجزاء النادرة، أحدهم أُعْجِب جدا بالإهداءات، فشطب اسمي، وكتب اسمه كأن سيد قطب أهداها إليه!! ..
الإمام الإبراهيمي ... وآخرون
حضرتُ حفلة نخبة، حضرها المئات .. لكن من نخبة المثقفين في مصر، وخطب في الحفلة:
-الدكتور عبد الوهاب عزام،
أديب العربية الكبير، مترجِم الشاهْنامة، ومترجم محمد إقبال (وإن كان الشعر لا يترجَم شعرا .. لكنه ترجمه شعرا! .. ) ومن الناس الذين أحببناهم كثيرا في الشام، ونحن نقرأ لهم. وهوكريم الخلق
-عبد المنعم خلاف
من الجامعة العربية، وهو من أصدقاء الطنطاوي القدامى ..
-والأستاذ عمر بهاء الأميري،
الشاعر الإسلامي الكبير، والإنسان الأنيس اللطيف، والمجاهد أيضا، الدبلوماسي الكبير، والشاعر الكبير، وفي كثير من الأحيان لا ندرك قيمة الناس قبل أن يذهبوا
-والأستاذ الإبراهيمي
شيخ علماء الجزائر .. الذي أحبني -بعدَها- كما يحب الوالد الولد، وعاشرني كما يعاشر الأخ الأخ والصديق الصديق، وقد أتى بعد ذلك إلى بلاد الشام، فكنا لا نفترق على الإطلاق ..
سيد قطب
قال:
-شرفني الله، وأسعدني بصحبته وأخوَّته وصداقته -عندما كنتُ في مصر- واستمرّت هذه الصداقة والأخوة إلى الآن .. هي متصلة بأخيه العظيم محمد، وأخته العظيمة أيضا: حميدة.
-الأجيال كلها تعلمت من سيد قطب، إنسان عظيم، نادر المثال ..
-فيه ناس تسمعهم من بعيد تعجب بهم كثيرا، تراهم في واقع الحياة تصاب بخيبة أمل ..
تقرأ لهم .. فتعجب جدا بهم، لكن إذا لقيتهم أو عرفتهم تصاب بخيبة أمل ... سيد -وقد عرفته في حياته، وفي جوانب بيته- كان على مستوى ما يقول ويكتب ..
-إنسان عظيم جدا رحمه الله.
-أرسم لك مشهدا أخيرا،
كنا نقلنا من امبابة إلى الروضة .. وكان الشقة تزدحم بالإخوان؛ وإذا بسيد قطب، وقد عرف أنني سأسافر [لأنه بلغه أن أباه يودّع الدنيا، فكان سفره مستعجلا، ودون إعداد مسبَق] ، أقبل مسرعًا وعانقني بلهفة، وجلس مع الجالسين، ثم استأذن ليجلس معي قليلا،
قال لي: أنت فاجأك هذا الأمر، وأنت على غير استعداد، وأخرج من جيبه رزمة سميكة من الجنيهات، قلتُ له: الآن كل شيء تهيَّأ والبطاقة اشتريتها! قال لي:"قدِّرْ لو وصلت إلى الشام، ووجدت نفسَك بحاجة إلى شيء؟!"قلت له: إذا وصلت إلى بلدي لا أحتاج إلى شيء! .. قال لي:"افرض أن الطائرة ستنزل في غير بلدك؟؟!"وقضى أكثر من ثلث يرجوني أن أقبل هذا البلغ .. ثم دمعت عيناه وقال لي:"يا عصام، تراني أقل من أن أكون أخا لك في الله"؟؟
-سيد قطب ليس فقط المتكلم المتحدث الكاتب، سيد قطب الإنسان العظيم .. كل جانب من جوانب سيد قطب جانب عظيم ..
وختمَ:
-لم لا نذكر الأخت حميدة التي هي أعز من أخت، أحيِّيها، وأحسُّ بها أختا لي وزيادة، وهي زوجة الدكتور حمدي مسعود الذي يعيش في فرنسا، طبيب لجراحة القلب في أحد المستشفيات ..
سعيد رمضان
قال عنه:
-سعيد رمضان: خطيبٌ عظيم .. بالمناسبة: في يوم من الأيام كاد سعيد رمضان يكون ألمع شاب في العالم الإسلامي، خطيب عظيم، كاتب جيد، علاقاته بأنحاء محتلفة من العالم الإسلامي .. كوكب متوهج، ثم انطفأ أخيرا بجنيف! وهو والد: طارق رمضان، وهاني رمضان [وهو صهر الأستاذ البنَّا رحمه الله، وكان صاحب جريدة المسلمون]
وإلى هنا، انتهت رحلة الأستاذ الكبير عصام العطار، مع أعلام عصره، من مصره وغير مصره! فعسى أن تنتفعوا بما قرأتم، وأن تدعوا للأستاذ عصام بدوام الصحة والعافية، وبأن يوفقه الله إلى كتابة هذه الذكريات جميعا، وجمعها في كتاب .. ولا تنسوا كاتب السطور من صالح دعواتكم ..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)