وليس بسرّ أنني والشيخ علي الطنطاوي لم نكن نتفق دومًا في كل أمر، وفي كل موقف، وفي تقويمنا للأشخاص والأوضاع، بل ربما اختلفنا في بعض ذلك أشدّ اختلاف؛ ولكن اختلافنا لم يضعف أخوتنا ومحبّتنا، ولم يوهن صداقتنا ورابطتنا، وتعاوننا الوثيق على البر والتقوى في كثير من الأمور< O:P>
سنة 1947 رشح علي الطنطاوي وهو في مصر نفسه للانتخابات النيابية التي جرت في سورية، ثم حضر متأخرًا إلى دمشق. كانت شعبيته قوية واسعة؛ ولكن التزوير الصارخ عمل عمله في تلك الانتخابات، وكانت هنالك أيضًا ظروف سياسية، وتحالفات حزبية، ومصالح شخصية واقتصادية، جعلت عددًا من إخوانه وأصدقائه يقفون ضدّه أو يتخلون عنه. أشار إلى ذلك بمرارة في ذكرياته، ومن ذلك قوله في بعض من خذلوه:"لقد أعرض عني أقري أصدقائي ممن أسمّيهم أصدقاء العمر، وكانوا رفاقي في المدرسة، وكانوا أصحابي في حياتي، نسوا ما بيننا وبينهم ..."، ولكنّه ذكر من وفَواْ له بالخير:"لقد رأيت الوفاء من جيراننا في الحيّ، ورأيت الوفاء من تلاميذي وتلاكيذ أبي، حين أقام لي الشيخ محمود العقّاد رحمة الله عليه حفلةً في مدرسته"المدرسة التجارية العلمية"جمعَتْ وجوه البلد، وفي هذه الحفلة ظهر خطيب جديد كان يومئذ شابًّا في العشرين، فبهر الناسَ بخطبة ارتجلها، وبهرني مع الناس هذا الذي صار من بعدُ نابغةَ الخطباء، وهو عصام العطّار."< O:P>
لم أصِرْ"نابغة الخطباء"كما ذكر الأستاذ رحمه الله، ولكن - وأقولها للحقيقة - لم تكن هذه أول خطبة لي، وإن كانت أوّل خطبة سمعها الأستاذ مني، فقد تعودت الخطابة وأنا في المدرسة الابتدائية. كانوا في إدارة المدرسة إذا زارتنا مدرسة أخرى، وتكلّم بعض أساتذتها، طلبوا إليّ، بل ألحّوا عليّ، أن أردّ على غير رغبة مني - باسم الإدارة والأساتذة والطلاب جميعا< O:P>
ذكرت الانتخابات وما كتبه الشيخ علي الطنطاوي وعن خطبتي، لابيّن أن هذه المناسبة وأمثالها قد زادت الشيخ محبة لي، وتقديرًا واحترامًا، وجعلت صلتنا وصداقتنا تقوم على أساس أرسخ من مجرّد الأخوّة أو الحبّ الأبويّ< O:P>
سافرت سنة 1951 أو 52 م إلى القاهرة مع أخي وصديقي المجاهد الجليل محمد زهير الشاويش، لأسباب منها أنني كنت أهاجم دكتاتور سورية في ذلك الحين العقيد أديب الشيشكلي في خطبي في مسجد الجامعة السوريّة، وفي مواطن ومحافل أخرى، فألزمني بعض كبار علمائنا - ومنهم الأستاذ الطنطاوي - بأن أسافر إلى مصر، لتفادي الصدام، وتخفيف حدّة التوتّر، وللدراسة فيها إن أحببت، أو لقضاء بعض الوقت خارج سوريّة على الأقلّ< O:P>
وفي غيابي مرض أبي، واتشتدّ به المرض، ولم بخبرني بذلك أحد. كان - رحمة الله عليه - يستحلف كل كسافر إلى مصر يزوره يعرفني، ألاّ يخبرني بمرضه، خوفًا عليّ من بطش الشيشكلي إذا عدت ولكن عندما أحسّ إخوانه وإخواني بدنوّ أجله، أبرق الأستاذ علي الطنطاوي إلى خاله العلاّمة المجاهد الرائد: السيد محب الدّن الخطب - رحمه الله تعالى - بأن يتلطّف بإخباري بمرض أبي، وضرورة عودتي إلى دمشق، وعدت إلى دمشق قبل وفاة والدي بأيّام< O:P>
وفي دمشق رأيت حول سرير أبي عددًا من الإخوة والأصدقاء، ما فارقوه يومًا من الأيّام، على امتداد شهور مرضه، إخوة وأصدقاء انطبعت صورهم في قلبي، وغدوا عندي كأهل بدر:"اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم"فكيف وهم قد طوّقوا من بعدُ بمحبّتهم ووفائهم وعونهم عنقي، ولم يكن منهم إلا الجميل من القول والفعل، من هؤلاء أخي وصديقي، أستاذنا، وأستاذ جيلنا بل أجيالنا: علي الطنطاوي< O:P>
وتولّى الأستاذ الطنطاوي أمر الجنازة لتكونبكل ما فيها وفق السنّة المطهّرة، رغم احتجاج كثير من أهلنا ومعارفنا، فكانت أول جنازة في الشام لعالِم من العلماء لا يكون فيها أيُّ بدعة من بدع الجنائز، وذلك كلّه بفضله< O:P>
وفي المقبرة وقف على قبر أبي يرثيه، فبكيتُ بعينيه، وأبكيتُ بلسانه الناس، وتكلّم أيضًا الأستاذ الجليل أحمد مظهر العظمة رحمه الله، وتكلّم آخرون، لم أعد أتذكر تمامًا كلّ من تكلّم، فلم أكن معظم وقتي خلال تشييع أبي ودفنه ورثائه في هذه الدّنيا< O:P>
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)