وحتى يتمكن العبد من الاستمرار في المداومة على الطاعات نجده -صلى الله عليه وسلم - يأمر بالاقتصاد في العبادة، وينهى عن التعمق والتشديد على النفس فيها؛ فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «القصدَ القصدَ تبلغوا» (4) ، وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: «دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم - المسجد وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: ما هذا؟ قالوا: لزينب تصلي؛ فإذا كسلت أو فترت أمسكت به، فقال: حُلُّوه! ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر قعد» (5) ، وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: «دخل عليَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وعندي امرأة، فقال: مَنْ هذه؟ فقلت: امرأة لا تنام تصلي، قال: خذوا من العمل ما تطيقون؛ فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا» (6) ، وعن عبد الله ابن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال: «قال لي النبي -صلى الله عليه وسلم: ألم أُخْبَر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ قلت: إني أفعل ذلك، قال: فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عينك، ونفهت نفسك، وإن لنفسك حقًا، ولأهلك حقًا، فصُم وأفطر، وقم ونم» (7) .
قال النووي: (وإنما كان القليل الدائم خيرًا من الكثير المنقطع؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة والذكر والمراقبة والنية والإخلاص والإقبال على الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ ويثمر القليل الدائم؛ بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة) (8) ، وليس المراد من الأمر بالقصد في العبادة منع طلب الأكمل فيها؛ فإن ذلك من الأمور المحمودة، بل المراد التدرج في مراقي الخير، والإيغال في الدين برفق، وقياد النفس خطوة خطوة حتى يصلب عودها في باب التعبد، وتعتاد الإكثار من القُرَب دون أن تكره العمل، حتى لا يكون المرء كالمنبتِّ الذي لا هو قطع أرضًا، ولا أبقى أرضًا، فلا بد من (منع الإفراط المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته، كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشمس، فخرج وقت الفريضة) (9) .
وفَهْمُ طبيعة النفس من أعظم مُعينات العبد على مدوامة العمل الصالح؛ إذ لها إقبال وإدبار، وقد أوضحت ذلك النصوص والآثار؛ فعن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال: «لكل عابد شِرَّة، ولكل شِرَّة فترة، فإمَّا إلى سُنَّة وإما إلى بدعة؛ فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك» (10) ، وقال عمر ـ رضي الله عنه ـ: «إن لهذه القلوب إقبالًا وإدبارًا؛ فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل، وإن أدبرت فألزموها الفرائض» (11) ، وعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: «إن لهذه القلوب شهوة وإقبالًا، وإن لها فترة وإدبارًا، فخذوها عند شهوتها وإقبالها، ودعوها عند فترتها وإدبارها» (12) .
ومما يُكمِل مسألة مداومة العبد على العمل الصالح قضاؤه ما فاته منه، وقد جاءت النصوص دالة على مشروعية ذلك؛ فمنها حديث عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتب له كأنما قرأه من الليل» (13) .
وبالعموم؛ فكل الخير في اجتهاد باقتصاد مقرون بمتابعة النبي -صلى الله عليه وسلم -، وما أجمل مقولة أُبَيِّ بن كعب ـ رضي الله عنه ـ: «وإن اقتصادًا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة، فانظروا أن يكون عملكم - إن كان اجتهادًا أو اقتصادًا - أن يكون ذلك على منهاج الأنبياء وسنتهم» (14) ، فاللهم مُنَّ علينا بلزوم السنة في كل أمورنا.
3 ـ تنويع العمل:
جمع القرب وتنويع الطاعات من أمتن السبل المعينة على التعبد، وأبلغ الطرق الموصلة إلى مرضاة الله ـ تعالى ـ وعلو المنزلة عنده سبحانه؛ يدل على ذلك حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ: أنا، فقال رسول الله -صلى الله عليه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)