وفي رحم المعاناة، وبطن الألم، وقلب المأساة، يبرز فارس الأحلام، وقاهر الآلام، وصانع البطولات، عربي آخر، فقير معدم، ومطلق مهموم، فأغراها ببحر الحب، وأغناها بمعسول الكلام ووعدها بعيش الصالحين وسيرة الزاهدين، فكان كلامه بلسمًا، يضمد جراحها، وشفاء لسقم حياتها، وعوض عن ما أخذ منها، فضحت بالمال والثراء، وجرت وراء سراب الحب والغزل، وبنت في خيالها بيت القناعة والرضى باليسير، وفرحت بعيشة الصلاح والفلاح.< o:p>
وسعدت بلحية مستعارة، وشخصية جذابة، وطمعت في حياة هانئة بسيطة، وزوج صالح محب، ومعلم مرشد أمين.< o:p>
فوافقت المغرورة، ورضيت المسكينة، و مادرت المفجوعة أنها من مأساة لأخرى، ومن هم إلى غم، ومن شقاء إلى عناء، فما لبث الحبيب أن يصبح غريبًا، والرفيق أن يسير ضاربًا، والصالح يكون فاسدًا،والزاهد متواكلًا، وكاد أن يفتنها في دينها بدل أن يرشدها ويعلمها.< o:p>
لم يدفع لها مهرًا، وما أعطاها نفقة، واستولى على كل مالها، فأصبح دائنًا مدينًا، أنجبت منه بنتًا، وعاشت معه سنينًا، فهجرها أشهرًا، ورفضها أيامًا، وأقض مضجعها، فبكت دمًا، واحترقت ألمًا، ذبل شبابها، وطال ليل حزنها، عاشت على صدقات المحسنين وهي زوجة، واضطرت لشكوى المقربين، واستشارت الناصحين الأمينين، واستفتت العلماء العاملين، فنصحت بالصبر والرضا، والعيش رغم مرارة الحياة وقسوة الظروف، فلا ملجأ لها ولا مسكن يأويها، فخير لها أن تعيش مع زوج ظالم وضارب لها، وسارق جريء لمالها، من أن تعيش ملقاة على رصيف الحياة، لا ترحمها الذئاب الجائعة ولا الكلاب السائبة، فصبرت وكابدت، ورضيت وقنعت، حتى احتال عليها فخالعها وراوغها، هروبًا من صداقها ومؤخرها، وتخففًا من حملها ومسؤوليتها، وفرارًا من متابعتها له ومسائلتها.< o:p>
والأمرّ من كل ذلك أنها عرّض لها بالزواج من غيره، والخروج من بيته، والتحرر من قبضته بعد انتهاء عدتها.< o:p>
غير مباليًا بعشرة السنين ولا مهتمًا بابنته ذات السنتين.< o:p>
ورغم قسوة التجربة، ومرارة الحياة، وشظف الحياة، حاولت المسكينة مع زوجها أن يردها، واستماتت في طلب رضاه، ولكنه كابر وعاند، وجادل وناظر، فادعى أنه لها مؤدبًا، ولخلقها مقومًا.< o:p>
وفي خضم هذه الأزمة،واقتراب موعد خروج المسكينة من العدة، وحيرتها إلى من تلجأ ليكشف الغمة، ويأويها بعد حياة الحسرة، وعيشة المعرّة.< o:p>
فتذكرت ذلك المحسن الموسر، والمتصدق الباذل، والعريس الفائت، فكلمته على حياء وقصدته على كره، وطلبته مضطرة، أن يجد لها سكنًا يأويها، ولو غرفة مهجورة، أو حجرة مستورة.< o:p>
وكانت ضعيفة ذليلة، ومحتاجة مضطرة، ومجروحة مقهورة، وطريدة مهجورة، فاستغل حاجتها، واغتنم فرصة ضعفها، فألقى سهمه الطائش، وغرز سكينه القاتلة، ورفع سلاحه الصائل، قائلًا: أتزوجك سرًا، بشهادة الشهود،وأعطيك سكنًا لائقًا فبهتت المكسورة وردت: ألا تساعدني لوجه الله! فأنا حزينة مجروحة، أنّى لي الزواج ولقلبي الفرح. والشهر شهر رمضان للعبادة والصلاة. فرد عليها: فكري في أمرك.< o:p>
ثم اتصل بها في اليوم الثاني وعرض عليها بقوة بل طلب منها الحضور إليه فالشهود حضور، والعقد ميسور.< o:p>
فعندما تلكأت وترددت وتأخرت وتراجعت إلى الوراء، نهرها وغضب منها، وكفّرها النعمة واستكبر رفضها، وتعجب من ردها.< o:p>
وفي اليوم الذي يليه، أرسل إليها صديقه المأذون ليكلمها فيقنعها، ويشفع له و يزكيه، فسرد لها آيات النكاح، وذكرها بالمتعة الحلال، وعبادة الليل في شهر الصيام، فالصوم عبادة في النهار، والنكاح عبادة في الليل.< o:p>
وحاول إغرائها وإقناعها وإخضاعها، فمدح صاحبه، وزكى سريرته، وسهل المهمة، ويسر العقد، فهو مأذون جاهز، وعندما ترددت وتراجعت هددها بأن العريس مستعجل والفرصة ستذهب، وهو ناصح أمين.< o:p>
وتوالت العروض على هذه المفجوعة بنفس الشروط ونفس المسمى، وبذات العرض المشبوه.< o:p>
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)