وقرأنا في القرآن أيضًا تنوع عقوباته، فهي ليست عقوبة واحدة، ولا على طريقة مألوفة، فلا يدري العباد كيف يعذبون، ولا ما يحاذرون؛ لأن مظان الرحمة قد يقلبها الله تعالى عذابًا؛ فالغرق عذابٌ يأتي مما ظاهره الرحمة وهو المطر، فيفرح الناس به وهو عذابهم كما أهلك به قوم نوح عليه السلام [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ] {العنكبوت:14} [وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً] {الفرقان:37} وأغرق بالسيل جنان سبأ وأموالهم [فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ] {سبأ:16} وبالغرق في البحر أهلك فرعون وجنده [فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي اليَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ] {الأعراف:136} فسبحان من جعل الماء الذي لا حياة للناس إلا به سبب هلاكهم، وسبحان من عظمت قدرته فقلب آية الرحمة عذابًا، وأغرق بالمطر أقوامًا.
والريح آية أخرى لا حياة على الأرض بفقدها، ومع ذلك يجعلها الله تعالى عذابًا لمن شاء من خلقه، وقد أهلك بها عادًا لما كذبوا هودًا عليه السلام [وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ] {الحاقَّة:6} وفي سورة أخرى [فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ] {الأحقاف:24 - 25}
والصيحة صوت، والصوت في العادة لا يضر الأعيان، والبشر قد جبلوا على الأصوات ضعيفها وقويها، ومع ذلك جعل الله تعالى بقدرته هذا الصوت هلاكًا للمكذبين، فعذب به ثمود لما كذبوا صالحًا [وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ] {هود:67 - 68} وفي أخرى [إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ] {القمر:31}
وأقوام آخرون من المكذبين حُصبوا بالحجارة حتى هلكوا، منهم قوم لوط عليه السلام [فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ] {هود:82 - 83} وفي أخرى [إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ] {القمر:34} وعُذب بالحجارة أصحاب الفيل [وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ] {الفيل:3 - 5}
وعُذب قارونُ بالخسف، فتجلجل بداره في الأرض إلى حيث يعلم الله تعالى [فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ] {القصص:81} وقد هدّد الله تعالى أهل المعاصي بذلك [أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ] {النحل:45}
وحوائج البشر إلى ربهم سبحانه وتعالى لا تنتهي، فلا حول لهم إلا به سبحانه، ولا قِوام لهم إلا برزقه، ولو حبسه عنهم لهلكوا؛ ولذا كان القحط والجوع ونضوب الماء وقلة الأمطار هلاكًا، كما كانت زيادتها إلى حدِّ الإغراق عذابًا، وقد عُذب أقوام بالجوع حتى هلكوا، وتاريخ البشر مليء بالمجاعات والأوبئة العامة التي هلك فيها أمم من الناس [وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ] {النحل:112}
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)