و كما نصت الأحاديث فإن القرآن الكريم يتفلت من الصدور إذا لم يبادر المسلم إلى المراجعة الدائمة و التعاهد المستمر لما يحفظه من القرآن، و لا سيما إذا ذكرناه بما سبق و أبنا عنه من كون حفظ القرآن نعنمة لا تعدلها نعمة بعد الإيمان.
و إذا أراد الواحد منا ان يعدد شيئا من الحكم الربانية من تفلت القرىن من الصدور لذكر منها:
-الابتلاء و الامتحان لقلوب العباد حتى يظهر الفرق بين القلوب المتعلقة بالقرآن المواظبة على حفظه و تلاوته، و بين القلوب التي تعلقت به وقت الحفظ أو وقت إقبالها ثم فترت عنه الهمم و انصرفت عنه حتى نسيته.
-و منها: تقوية دوافع المسلمين الحفاظ لكتاب الله تعالى إلى الإكثار من تلاوته و مراجعته لينالوا الجر العظيم الذي أعده الله تعالى لأهل القرآن، و لو أن المسلم حفظ و لم ينس لما احتاج لكثرة القراءة و المراجعة و التعاهد، فخوف النسيان يدفع المسلم الحافظ لكتاب الله تعالى إلى الحرص على التلاوة و المراجعة، حتى في أوقات إدبار القلوب و قسوتها.
-ومنها: التخلص من شكوى رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم لربه من هجر المسلمين للقرآن الكريم كما في قوله تعالى: (و قال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) (الفرقان:30)
فقد ذكر أهل العلم عدة أنواع من هجر القرآن منها:
-هجر سماعه، و هجر الإيمان به و الإصغاء إليه.
-هجر العمل به و الوقوف عند حلاله و حرامه و إن أقر به و آمن به.
-هجر تحكيمه و التحاكم إليه في أصول الدين و فروعه و اعتفاد أنه لا يفيد اليقين و أن أدلته لفظية لا تحصل العلم.
-هجر تدبره و تفهمه و معرفة ما أراد به المتكلم به منه.
-هجر الاستشفاء به و التداوي به في جميع أمراض القلوب و أدوائها فيطلب شفاء دائه من غيره و يهجر أن يداوي قلبه من نوره و هدايته، و كل هذه الأنواع داخلة في عموم الآية السابقة الذكر، و إن كان بعض الهجر أهون من بعض.
و لقد رهبت و حذرت السنة النبوية، بل و أقوال العلماء من تفلت القرآن من صدور حفاظه بالتفريط في تلاوته و مراجعته حتى عدها بعض العلماء من الكبائر، فقال أبو الفضل جلال الدين السيوطي في"الإتقان في علو القرآن" (صـ 105) : (مسألة) نسيانه كبيرة، صرح به النووي في الروضة و غيرها. انتهى
و قال ابن المنادي، رحمه الله، في"متشابه القرآن" (صـ52) : ما زال السلف يرهبون نسيان القرآن بعد الحفظ لما في ذلك من النقص. انتهى
و إن الأمر ليزداد شدة على أئمة المسلمين و علمائهم، بل و امراء المؤمنين و من ينوب عنهم؛ فصحة صلاة المسلمين و إقامتها على الوجه المطلوب من مسؤوليات أمراء المؤمنين،
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، كما في"مجموع الفتاوى" (28/ 360) : و من تمام ذلك (أي: واجبات أمراء المؤمنين في السياسة الشرعية) : تعاهد مساجد المسلمين و أئمتهم، و أمرهم بأن يصلوا بهم صلاة النبي صلى الله عليه و آله و سلم حيث قال:"صلوا كما رأيتموني أصلي"رواه البخاري، و صلى مرة بأصحابه على طرف المنبر فقال:"إنما فعلت هذا لتأتموا بي و لتعلموا صلاتي."
و على إمام الناس في الصلاة و غيرها أن ينظر لهم، فلا يفوتهم ما يتعلق بفعله من كمال دينهم، بل على كل إمام للصلاة أن يصلي بهم صلاة كاملة و لا يقتصر على ما يجوز للمنفرد الاقتصار عليه من قدر الإجزاء إلا لعذر. انتهى
و لا شك أن ضبط الإمام للآيات التي يقرؤها من أعظم الأسباب المعينة على صحة صلاة المسلمين بل و على خشوعهم، فلو كثر خطأ الإمام في القراءة و بدأ المأمومون بالفتح عليه على الهيئة التي نراها من المسلمين في هذه الآونة فلا شك هذا ناقض لمبدأ الخشوع و قوله تعالى (و قوموا لله قانتين) (البقرة:238) ،
و قد روى البخاري (5033) و مسلم (791) من حديث أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال:"تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها."
و روى البخاري (5031) و مسلم كذلك (789) من حديث عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال:"إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعلقة إن عاهد عليها أمسكها و إن أطلقها ذهبت".
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)