ـ [أسامة بن سعد الهادي] ــــــــ [03 - 11 - 10, 12:28 م] ـ
هذه خاطرة كتبتها بعد حلقة شاهدتها على اليوتيوب للطفل المعروف"مسلم سعيد"في البرنامج المشهور:"البيت بيتك".. أحتذي فيها أسلوب الرافعي رحمه الله في الكتابة - وأنا أحب الرافعي وأسلوبه حبًا جمًا -، ولما انتهيت منها رأيت أن أعرضها عليكم فتقيموا أسلوبها وما فيها ..
وقفت على جزء من حلقة من حلقات البرنامج المشهور الغابر"البيت بيتك"، ضيّف فيها مذيعاه الطفل النجيب المعروف:"مسلم سعيد"وأباه.
وشهرة الطفل اتفقت له مع عجيب ما حباه الله من ذهن متقد وذاكرة فتح الله عليه بها كما لم يفتح على أحد من أقرانه، فأتت آية من آيات الله في خلقه.
وددت لو يسرت لي الأقدار فجمعتني بأبي ذلك الطفل الذي راعى الله فيه، وفطن إلى قدر ما على كاهله من حق وجب لله في ولده فلم يألُ استطاعته في أداء هذا الحق فنشأ طفله على خير ما ينشيء الناس عليه أطفالهم، فطبع في ذهنه حب الله ورسوله ولم يزل به يعلمه القرآن والسنة ويأخذ على يديه بهما حتى أتم الولد حفظ عشرين سورة من كتاب الله.
ولم يكف الأبَ ما قدم، فسلك مسلكًا حسنًا يروض ابنه فيه على الخير، ويصرف إليه قلبه فيُلقَّاه في مصادره وموارده، ومصادره الكتاب والسنة وما يتصل بهما، وموارده قلوب العلماء الربانيين الذين أخلصوا لله فأخلصهم الله، ومكنوا لشرعه في قلوبهم فأمكنهم الله من قلوب العباد.
والطفل في هذه السن يعمل عقله عمل الآلة الناسخة، تنسخ ما ينطبع فيها فتؤديه كالأصل وليس هو الأصل، وعقل الطفل ينسخ ما ينطبع فيه من شؤون الناس في حركاتهم وسكناتهم وما يقولون وما يعملون.
عرف أبو مسلم هذا وفطنه وأدرك أن لولده عليه حقًا ألا يصل لآلته إلا كل أبيض ناصع يسر الناظرين مرآه، ويمنع دونها ما خس وما حقر مما ينقلب عنه كل مُستَملَح فضيلة إلى كل مُستَقبَح رذيلة.
شاهدت الحلقة وكنت تمر بي الدقيقة أجد في نفسي غير ما كان فيها مذ أخت لها خلت، وتناوبتها أخلاط من الدهش والحيرة والرضا والسخط كأنما مُزجت فتجرعتها النفس غير مستساغة ولا مستمرأة وصارت منها إلى وخم وثقل لم تزل بعدُ تجدهما ويدرآنها كلما همت بشيء أو نشطت إلى شيء.
ولا أخفي عنك أيها القاريء، فقد أكتب هذه السطور ولمّا أجد بعد في نفسي ما يقوم لمغزى هذه الحلقة مما يجوز أن يقال عنه: فهم أو إدراك سوى ما كان فيها مما لا يفوت العاقل من قصد التهكم بالأب والزراية عليه وعلى ولده مما تراه من ضحك المذيع من الطفل حين وقف يريهم كيف يخطب.
وإن أنت رحت تسبر غور كلامهم وتستقصي دواخله علمت أن غاية مأخذهم أنهم يقولون إن الطفل في هذه السن لا يصلح أن يقوم مقام المعلم ويوضع موضع المتكلم يأخذ عنه الناس ويسمعون منه، وفيهم من يفضله سنًا ويرجحه عقلًا من كبير أو صغير، لكن ما انفك الرجل يقول إن في ابنه مثلًا يرجو أن يتمثله الناس في أبنائهم فيغرسوا فيهم غرسًا يكفل لهم جناه من شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
وهبه يصعد المنبر يخطب الناس ويعظهم، فأين جرمه؟! وما جريرته؟! أفلا يكون من صنيعه ما ينبه المذنب الغافل وإن كان كبيرًا إلى أن كفى بنفسه صغرًا أن يدلها على ذنبها طفل! فكأنما صغرت نفسه مرتين: مرة بذنبها ومرة حين نبهها طفل إلى صغرها به.
إن النفوس الكريمة ترى صنيع الأب في ابنه غاية شريفة تهفو إليها وتبذل فيها وتسابق لنيلها في أبنائها، والنفوس الخبيثة لا ترى فيه إلا تسفُّلًا عن مراقيها المزعومة، فانظر كيف انكب هؤلاء على وجوههم فلا يرون سافل الناس إلا عاليهم ولا يعرفون العالي عند الناس إلا سافلًا عندهم! وبالله {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الملك: 22]
أما والله ما بدل فطر الناس وحوّل ضمائرهم فطبع على حواسهم فعادوا لا يرون الأبيض إلا مخلوطًا بسواد، ولا يسمعون الحق إلا ملغوًا بباطل، ولا يعرفون الصدق إلا مدخولًا بكذب - سوى ما ألفوه وملأ حياتهم من باطل اللهو وساقط العبث أمنوه، وسكنوا إليه، ونشطت فيه هممهم، ومدوا بينه وبينهم الأسباب، وغفلوا عما ينصرم دونهم من عرى الدين وما يتصل بها من أسباب الفضيلة ووثائق الأخلاق، فانتكست الفِطر، وارتكست الطبائع، وفسد الذوق، وانسلخت الأسماء من مسمياتها، وانقلبت المعاني على ألفاظها، فغارت القيم الرفيعة التي لم تسمُ الإنسانية إلا بها، وحلت محلها عوامل عملت عمل الفئوس في الأرض البسيطة، تحفر الحفرة المهلكة يسّاقط فيها الناس، ولا يكون سقوطهم عندهم إلا ضربًا من (الفن) ، وترى الواحد فيهم تثعب جراحه ويصرخ أديم وجهه، ولا يكون ذلك إلا معنى من معاني (الحرية) و (التمدن) ، ولا يكون من عصمه الله من التردي في مهاويهم إلا خلفةً من (الرجعية) و (التأخر) و (التشدد) لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا على نعمة السقوط!
ساءلت نفسي كثيرًا: ماذا لو كان ضيف تلك الحلقة ممثلًا أو مغنيًا وابنه؟ لا جرم عرف هؤلاء في ذلك الطفل معاني الطفولة المهتزة الراقصة التي لا يبلغ الطفل بسواها أن ... أن يعرف الله (*) !!!
(*) كذا قال الطبيب النفسي ثالثهم في الحلقة: إن الطفل يتعرف على الله من خلال الأغاني ومن خلال الرقص الجميل!!
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)