ـ [خضر بن سند] ــــــــ [23 - 06 - 10, 05:26 م] ـ
الحمد لله عاد جسدي من لبنان.
قام صاحبكم برحلة شبه علمية إلى لبنان في الأسبوع الماضي , (في الأول من رجب من عام 1431) كانت الحجاز المحروسة , أشبه ما تكون بصفيح ساخن , زادت درجة الحرارة عن الخمسين درجة في الأيام الماضية , وكنت عزمت على السفر للبلاد الباردة , فاخترت بيروت لعدم معرفتي بها سابقًا.
في بيروت زرت عددًا من الأماكن السياحية والجبال الجميلة التي لا تختلف عن جبالي التي ولدت فيها إلا بكثرة الخضرة وثقافة الشعب , فقد ولدت في أعالي جبال الأزد حيث الجو العليل والهواء اللطيف , ولذلك تعتبر حرارة الجو لي من نكد الحياة , ولولا ظروف عملي ونشأتي وحبي لمدينة جدة لما بقيت فيها ساعة واحدة.
في بيروت زرت المكتبات , والتقيت عددًا من رجالات الدعوة والخير , تجولت و (تسكعت) في لبنان , بين المساجد والمراكز الإسلامية والكنائس والأديرة , قابلت علماء مسلمون , قابلت دعاة لكل مذهب , قابلت رهبان وكهنة وراهبات , قابلت سياسيين ومتعلمين ومثقفين , اخيرًا رأيت لبنان التي أريد , مشيت بين جبالها , وعلى شواطئها , وغمست قدمي في أنهارها.
الرحلة قصيرة , والأهداف كثيرة , ويغلب على ذهني الشتات هذه الأيام , لظروف نفسية معقدة.
ولذلك جعلتها سياحة علمية , وسياحة جغرافية , تعرفت على بعض طوائف النصارى التي أردت الوقوف على حقيقتها , قابلت بعضًا من الدروز , وزرت جبلهم الذي دّوخونا به في التاريخ الإسلامي (شيخ الجبل ودروز الجبل .... ) , كنت في بيروت أسير أتنفس شيئًا من هواء الثقافة الفرنسية والغربية , وأحزن وأنا أشاهد المساجد الفارغة إلا من بعض المصلين , تمتلئ البارات والمقاهي , يفرح ويصرخ الشعب لكأس العالم , ويخرجون بالمئات هؤلاء يشجعون البرازيل وأولئك يشجعون فرنسا المهزومة بإذن الله , وآخرون يشجعون ايطاليا أو الأرجنتين , تمتلئ المقاهي بالصبيان والبنات وهم في زهرة الشباب وندوة الحياة , يلبسون حللًا فاخرة وزاهية من الملابس , يجلسون في وضع مخزي , حتى أصبحت الكنيسة تحارب هذه المناظر , وتسعى للسيطرة على الأخلاق ولكن هيهات , فالكنسية اللبنانية هذه الأيام تتبنى حملات للأخلاق والحشمة , وتنشر دعواتها في القرى والمدن ذات الأغلبية النصرانية.
للوهلة الأولى ظننت أن بيروت هي مكان التفسخ البعد عن الأخلاق , ولكني جزمت من خلال معرفتي بالتاريخ أنها مدينة المتناقضات , فقمت بزيارة سفارتنا السعودية في بيروت , ولقيت فيها لأول مرة في حياتي مثقفين وسياسيين محنكين , استفدت منهم ومن خبرتهم , ربما تكون أجواء بيروت هي التي أكسبتهم هذه الثقافة العالية , فهم يعيشون يوميًا مزيجًا من الثقافات المتعددة , ففي بيروت تعيش قوى متعارضة , وليست أقليات تحكمها قوة واحدة , فهنا نصارى على مذاهب مختلفة , وهنا رافضة اثنا عشرية , وهنا باطنية ضاربة بجذورها في التاريخ الإسلامي , وهنا سلفيون أقحاح , وهنا جماعات للعنف المسلح , وهنا أحباش منحرفون , وهنا إسرائيل وإيران , ومع كل ذلك المزيج السياسي والذهبي المتقاطع والعجيب ففي بيروت أرقى دور النشر العربية , وتطبع فيها أفخم وأغلى الكتب النادرة , وفيها أفضل الجامعات في المستوى التعليمي.
يبهرك البيروتيون بثقافتهم وشهاداتهم , ومن العجائب أن التعليم كله أهلي , فلا تعليم أبدًا على حساب الحكومة , سواء كان ابتدائيًا او متوسطًا أو جامعيًا , وهو باهض الثمن , ومع ذلك قلّ أن تجد شخصًا بيروتيًا لايحمل مؤهلًا مرموقًا , والبيروتيون يتفاخرون بالعلم والتعليم , ويصطحبون أبنائهم وبناتهم لأرقى دور التعليم بأغلى الأثمان , وفي بعض الدول العربية تبذل الدول كل ما تستطيع من مال وجهد لإقناع الأهالي بالتعليم وكثير منهم يرفضون إلا التعليم الإبتدائي ونحوه!!!.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)