فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 532

وكان سبب هجرة والده من ألبانيا الأعجمية إلى بلاد الشام العربية هي: أن حاكم ألبانيا آنذاك أراد عَلْمَنَة البلاد بالقوَّة، وأمر بنزع الحجاب عن النِّساء، واتِّباع الغربيِّين في لبسهم، وجميع شؤونهم؛ فكانت هذه الهجرة خيرًا للشيخ؛ إذ تعلَّم علوم السُّنة النبوية، ولم تكن كُتُبها موجودةٌ في مكتبة والده الممتلئة بكتب فقهاء الحنفية، فما كان منه إلا أن لزم المكتبة الظَّاهرية في الجامع الأُمَوي، يقضي فيها كلَّ يومٍ ما بين ست إلى عشر ساعات، ثم زاد اهتمامه وشغفه بالمطالعة والبحث، حتى كان يقضي فيها ثِنْتَي عشرة ساعة، يدخلها قبل دخول الموظفين، ويبقى فيها إلى صلاة العشاء، وكم من مرَّةٍ قضى ليله كلُّه فيها، أغلقوا عليه الباب وأتوه في الصباح!!

وهذه النِّهْمة في الطَّلب والبحث تذكِّرُنا بفعل السَّلف الصالح - رحمهم الله تعالى ورضي عنهم. ولم يكتفِ الشيخ - رحمه الله - بذلك؛ بل أزعجه أنه لا يستطيع المطالعة والبحث إلاَّ في أوقات عمل المكتبة، وليس عنده منَ المال ما يشتري به الكتب؛ فاتَّفق مع صاحب كُبريات المكتبات التجارية في دمشق على أن يستعير منه بعض الكتاب، ويرجعها حال انتهائه منها، وإن جاء مَنْ يرغب شرائها أعادها فورًا، وبهذا صار يقضي جلَّ وقته مع كتب الحديث وعلومه [3] .

ما منعه الفقر من طلب العلم، ولا ردَّه عدم امتلاكه للكتب عن مطالعتها؛ بل اخترع الطرق والأساليب التي جعلته لصيقًا بالكتب.

ومن عجيب أخباره رحمه الله تعالى: أنه ما كان يجد قيمة الورق الذي يكتب فيه أبحاثه؛ فكان يطوف في الشوارع والأزقَّة؛ يبحث عن الأوراق السَّاقطة فيها هنا وهناك؛ ليكتب على ظهرها؛ لأن وجه الورقة عادةً يكون مليئًا بالكتابة! وقال رحمه الله تعالى:"كنت أشتري الأوراق بالوزن لرخصه" [4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت