فهرس الكتاب
واحتجوا أيضًا بما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه كلما ركع ، وكلما رفع ، ثم صار إلى افتتاح الصلاة وترك ما سوى ذلك ، قال فيه ابن الجوزي [1] لا أصل له والمعروف عن ابن عباس خلافه ، وقد تبين للقارئ من هذا العرض عدم انتهاض شيء من أدلة الحنفية التي اعتمدوا عليها في ترك الرفع فيما عدا تكبيرة الإحرام لو كان خاليًا عن المعارضة فضلًا عن أن تعارض به الأحاديث الصحيحة .
ومن هنا تعلم أن المحاماة عن المذاهب قد تأصلت في الناس ، نحمد الله على السلامة [2] .
(1) ... ابن الجوزي: هو عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي ، يتصل نسبه بأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ، الشيخ الإمام العالم ، أبو الفرج ابن الجوزي ، صاحب الوعظ المؤثر والتآليف النافعة ، ولد سنة تسع أو عشر وخمسمائة ، له مؤلفات كثيرة = = توفي في رمضان سنة (597هـ) ، ترجمه في سير أعلام النبلاء (21/365) ، وابن كثير في البداية (13/21) ، وابن الأثير في الكامل (12/71) ، والذهبي في التذكرة (4/1342) .
(2) ... قال الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - في تعليقه على الترمذي (2/41) : وهذا الحديث - يعني حديث ابن مسعود - من طريق عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة الذي تقدم أن أبا داود ضعفه ، صححه ابن حزم وغيره من الحفاظ ، وهو حديث صحيح ، وما قالوه في تعليله ليس بعلة ولكن لا يدل على ترك الرفع في المواضع الأخرى لأنه نفي ، والأحاديث الدالة على الرفع إثبات ، والإثبات مقدم ، ولأن الرفع سنة وقد يتركها مرة أو مرارًا ولكن الفعل الأغلب والأكثر هو السنة وهو الرفع عند الركوع والرفع منه .
وقد جعل العلماء الحفاظ المتقدمون هذه المسألة - مسألة رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه - من الخلاف العويصة ، وألف بعضهم أجزاء مستقلة ، ثم تبعهم من بعدهم في خلافهم ، وتعصب كل فريق لقوله حتى خرجوا بها عن حد البحث إلى حد العصبية والتراشق بالكلام ، وذهبوا يصححون بعض الأسانيد ، أو يضعفون انتصارًا لمذهبهم وتركوا أو كثير منهم الإنصاف والتحقيق ، والمسألة أقرب من هذا كله . اهـ.
قلت: أما أصحاب الحديث الذين ضعفوا حديث ابن مسعود باللفظ الذي استدلت به الحنفية فهم بريئون من العصبية إن شاء الله ، من أمثال الثوري وابن المبارك وأبي داود والبخاري والحميدي والدارمي وأحمد بن حنبل وغيرهم ، ولكن العصبية عند من يحاول تصحيح الضعيف كحديث عبد الله ابن مسعود بتلك الزيادة وتضعيف الصحيح الذي لا مجال للشك في صحته كحديث عبد الله بن عمر النتفق عليه ، وحديث أبي حمدي الذي رواه البخاري وأصحاب السنن وغيرهما لينزل النصوص على مذهب إمامه .
ومن سلك سبيل الإنصاف وتجرد عن الهوى علم أنه على فرض صحة حديث ابن مسعود فإنه لا يقوى على دفع حديث ابن عمر وحديث أبي حميد لأمور:
الأول: أن أحاديث الرفع عند الركوع والرفع منه مثبتة ، وحديث ابن مسعود نافٍ ، والمثبت مقدم على النافي .
الثاني: أن ما روي عن ابن مسعود من ترك الرفع عند الركوع والرفع منه محمول على أنه رآه سنة ففعله مرة وتركه أخرى ، وليس في الترك دليل على رد ما ثبت ، وعلى فرض صحته مرفوعًا فإنه يُحمل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله أحيانًا وتركه أحيانًا ليبيّن للناس أنه مستحب وليس بواجب . =
= الأمر الثالث: أن القاعدة الاصطلاحية أن يرجع إلى الترجيح عند التعارض وعدم إمكان الجمع ، وقد أمكن الجمع كما تقدم ولو لم يمكن الجمع لكان الواجب أن يقدم حديث ابن عمر وأبي حميد لصحتهما على حديث ابن مسعود الذي تكلم فيه جهابذة هذا الفن ونُقاده الذين يرجع إلى قولهم عند التنازع في التصحيح والتضعيف . والله أعلم .