فهرس الكتاب
ثالثًا: يؤخذ من قوله:"وكان ينهى عن قيل وقال"كراهة نقل الإنسان لكل ما يسمعه ، فإنه يدخل في ذلك الحق والباطل ، والصدق والكذب ، قال ابن دقيق العيد - رحمه الله -: الأشهر فيه فتح اللام على سبيل الحكاية ، وهذا النهي لابد من تقييده بالكثرة التي لا يؤمن معها الخلط والخطأ ، والتسبب في وقوع المفاسد من غير تعيين والإخبار بالأمور الباطلة ، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع". اهـ
وقال الصنعاني في العدة: دليل التقييد ما علم من الإجماع على وقوع نقل أقاويل الناس ، بل قد وقع في التنزيل من نقل مقالات الأمم وأنبيائهم ما لا يحصى كثره . اهـ
قلت: إنما يتجه النهي على ما لا مصلحة في نقله ، وهو ثلاثة أنواع:
ما تحققت فيه المفسدة أو رجحت فيحرم نقله ، وما كان احتمال المفسدة فيه مرجوحًا فيكره نقله ، وما خلا من المفسدة ولم يكن في نقله مصلحة فيكره الإكثار من نقله ، أما ما تحققت في نقله المصلحة أو رجحت فيجب نقله أو يستحب تبعًا لتلك المصلحة ، ومن هذا ما ذكره الله في القرآن من نقل أقاويل الأمم ، إما لبيان فسادها والرد عليها ، أو لبيان ما فيها من حق ونشره والدعوة إليه . والله أعلم .
رابعًا: يؤخذ من قوله:"وإضاعة المال"عطفًا على ما كان ينهى عنه نهي تحريم وهو إضاعة المال بأي وجه من وجوه الإضاعة ، ذلك لأن الله - جل شأنه - جعل الأموال قيامًا لمصالح العباد وفي تبذيرها تفويت لتلك المصالح ، إما في حق مضيعها أو في حق غيره بإنفاق المال فيما لا نفع فيه لا في الدين ولا في الدنيا ، لا بالنسبة للفرد ولا بالنسبة للمجتمع يعد إسرافًا وتضييعًا للمال ، ووضعًا له في غير موضعه .