وإجمالًا: ولدت أوربا ولادة جديدة ووجد لديها لأول مرة في تاريخها الشعور بأنها أمة واحدة تواجه عدوًا أبديًا هو الإسلام، وكانت طفولتها في ذلك العصر الذي سمي عصر النهضة أو الانبعاث الذي تعمّدت ألاَّ تجعله يبدأ تاريخيًا بمعرفة الدين الرباني واكتشاف حضارته العظمى بل بلحظة الإبحار العكسي إلى الجاهلية الإغريقية واكتشاف أرسطو.
ـ [حديث الروح] ــــــــ [17 - 03 - 02, 11:17 ص] ـ
إن ولادة أوربا في ظل الحروب الصليبية وشعورها بذاتها من خلالها هو الذي يفسر تلك التناقضات الصارخة التي يعيشها الفكر الغربي متمثلة في هذه المعادلات الصعبة:-
· تعصب صليبي على الإسلام من بطرس الناسك إلى كلاوس [11] يوازيه داخليًا تمرد كامل على دين الصليب.
· إزدراء مطلق للعصور الوسطى باعتبارها عصور إيمان يوازيه تحيز فاضح لها إذا قورنت بنظيرها التاريخي في الإسلام!!
· الحكم بالسذاجة والبدائية على الفكر الإغريقي باعتباره نقطة البداية في مسيرة الحضارة الغربية يوازيه الحكم عليه بالعظمة والإبداع بالنسبة للحضارة الإسلامية.
ولقد صدق أحد المفكرين الغربيين حين قال في وصف هذه الحالة من التناقض (( كانت أوربا تعبد أرسطو وتلعنه في آنٍ واحدٍ ) )وهو التناقض الذي يدفع المسلمون ثمنه للحضارة الغربية إلى الآن.
ولئن كانت كتب أرسطو بمنزلة الكوة الصغيرة التي نفذت منها أوربا في انفلاتها من سجن الكنيسة المظلم فإنها لم توصلها إلى بر الأمان بل إلى نفق الجاهلية الإغريقية التي لم تخرج منه إلا إلى صحراء القلق والضياع التي يصطلي الإنسان الغربي المعاصر بلهيبها.
ومع أننا لا ننسى إطلاقًا مسؤولية الأمة الإسلامية في كل ما حدث ويحدث فإننا سنتجاوز هذا لننظر نظرة مجردة كيف أصبح الوليد عملاقًا ماردًا، أي كيف تشكلت أوربا الحديثة؟
وللإجابة الإجمالية على هذا نقول:-
إن هناك اتفاقًا عامًا لدى مؤرخي الفكر الأوربيين على أن النهضة الأوربية قامت على دعائم (أو حركات) ثلاث:-
1)النزعة الإنسانية (( Humanism ) )وإحياء الآداب القديمة (أي الانتكاس للجاهلية الإغريقية) .
2)حركة الإصلاح الديني.
3)النظرة التجريبية.
وفي كل هذه الحركات نجد الأثر الإسلامي ظاهرًا يوازي - إن لم يزد على - الثورة العقلية الذاتية على خرافات الكنيسة والرغبة الفطرية في التحرير من ظلمها واستبدادها. ومع هذا التوازي في الدوافع والأسباب استطاعت أوربا بدهاء شيطاني أن تحتفظ بأسبابها الذاتية وتمدها إلى نهايات بعيدة أما الخط الآخر فأسدلت عليه حجبًا كثيفة من الإهمال والتناسي.
فالنزعة الإنسانية مدينة كليًا للحضارة الإسلامية ولا ينحصر ذلك في الأثر الأدبي [إقتباس أبرز ممثليها وهو دانتي من أبي العلاء وابن طفيل] ، بل يشمل العصر كله حتى أن الإمبراطور فردريك الثاني وهو أكبر أباطرة القرون الوسطى بإطلاق، ويعتبر لدى بعض المفكرين أول المحدثين ورائد النهضة،كان يتكلم العربية وكان بلاطه عربي العلم واللسان حتى أنه حينما قابل الملك الكامل الأيوبي للصلح لم يحتج إلى مترجم، ولهذا اتهمته الكنيسة بالإسلام وسمته"الزنديق الأعظم"!! [12] .
أما حركة الإصلاح الديني فلم تولد مع"لوثر"و"كالفن"بل لها جذور عميقة الصلة بالإسلام لا يستطيع أي باحث أوربي أن يغفلها مهما قلل من شأنها، ومنها (( حركة تحطيم الصور والتماثيل ) )التي اجتاحت الإمبراطورية البيزنطية في أوائل القرن الثامن الميلادي - أي بعد قرن تقريبًا من ظهور الإسلام -، وممن آمن بذلك وأصدر مرسومًا عامًا به الإمبراطور"ليو الثالث" [13] .
صحيح أن التوراة حرمت ذلك [14] ولكن الكنيسة أحلته فيما حرفت من شريعة الله ووصاياه، وكل ما فعلته تحويل الناس من تصوير العظماء الدنيويين إلى تصوير المسيح وأمه والقديسين عندها.
أما التجريب الذي تعزى إليه نهضة أوربا العلمية عامة فإن باعثه الظاهري هو التساؤل العقلي الذي افترقت عليه الفلسفة القديمة، وهو: أيهما أصدق الفكر المجرد أم التجربة الحسية؟.
ولم يكن صعود"جاليليو"إلى البرج وإسقاط جسمين متماثلين في الوزن إلا تدليلًا على بطلان قول"أرسطو"في ذلك [15] .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)