ـ [د. كيف] ــــــــ [01 - 05 - 02, 07:50 م] ـ
(الضرر يزال)
فواز أبو راحيك
الضرر يزال:
هذه القاعدة تعتبر من القواعد الكبرى التي يعتمد عليها الفقهاء في تقرير الأحكام الشرعية للحوادث والمسائل المستجدة، وأغلب كتب القواعد الفقهية عبرت عنها بقول: (الضرر يزال) ، وعبر عنها الشيخ عبد الرحمن السعدي، والدكتور البورنو، والأستاذ الزرقاء (1) بـ (لا ضرر ولا ضرار) وهو ما جعله الآخرون أصلًا لها.
أصل القاعدة:
أصلها قوله لله: (لا ضرر ولا ضرار) وهو حديث أخرجه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلًا.
وأخرجه الحاكم في المستدرك والبيهقي، والدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري، وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت ـ رضي الله عنهم ـ (2) .
معنى الحديث:
الضرر: إلحاق مفسدة بالغير مطلقًا.
الضرار: مقابلة الضرر بالضرر.
والحديث يفيد تحريم الضرر بشتى أنواعه؛ لأنه نوع من أنواع الظلم؛ ويشمل ذلك دفعه قبل وقوعه بالطرق الممكنة، ورفعه قبل وقوعه بالتدابير والإجراءات اللازمة.
ولا يجوز أيضًا مقابلة الضرر بالضرر؛ لأنه توسيع لدائرة الضرر؛ فالإضرار لا يُلجأ إليه إلا لضرورة، ويستثنى من ذلك ما خُصّ بدليل وكان عقوبة شرعية مثل الحدود والعقوبات الأخرى كالقصاص.
شرح القاعدة:
هذه القاعدة من أركان الشريعة، وتشهد لها نصوص كثيرة من الكتاب والسنة وهي أساس لمنع الفعل الضار وترتيب نتائجه في التعويض المالي والعقوبة، وهي أيضًا سند لمبدأ الاستصلاح في جلب المصالح ودرء المفاسد؛ وهي عدة الفقهاء وعمدتهم وميزانهم في تقرير الأحكام الشرعية للحوادث (3) .
ونص هذه القاعدة ينفي الضرر فيوجب منعه مطلقًا، ويشمل ذلك الضرر العام والضرر الخاص، ويشمل أيضًا دفع الضرر قبل وقوعه، بطرق الوقاية الممكنة، كما يشمل أيضًا دفعه قبل وقوعه بما يمكن من التدابير التي تزيل آثاره وتمنع تكراره؛ ومن ثَمّ فإن إنزال العقوبات المشروعة بالمجرمين لا ينافي هذه القاعدة وإن ترتب عليها ضرر بهم؛ لأن فيها عدلًا ودفعًا لضرر أعم وأعظم.
ما يبنى عليها من أبواب الفقه:
يبني الفقهاء على هذه القاعدة كثيرًا من أبواب الفقه، منها:
الرد بالعيب، وجميع أنواع الخيارات من اختلاف الوصف المشروط والتعزير وإفلاس المشتري والحجر بأنواعه، والشفعة؛ لأنها شرعت لدفع ضرر القسمة، والقصاص والحدود والكفارات، وضمان المتلف والقسمة، ونصب الأئمة والقضاة، ودفع الصائل وقتال المشركين والبغاة، وفسخ النكاح بالعيوب أو الإفساد أو غير ذلك (4) .
المقصود بالضرار:
نفي فكرة الثأر المحض لمجرد الانتقام الذي يزيد الضرر ويوسع دائرته؛ فالإضرار ولو كان على سبيل المقابلة لا يجوز أن يكون هدفًا مقصودًا؛ وإنما يُلجأ إليه اضطرارًا عندما لا يكون غيره من طرق التلافي؛ والقمع أنفع وأفضل منه.
فمن أتلف مال غيره ـ مثلًا ـ لا يجوز أن يُقابل بإتلاف ماله؛ لأن ذلك توسيع للضرر بلا منفعة، وأفضل منه تضمين المتلِف قيمة ما أتلف، فإن فيه نفعًا بتعويض الضرر، وتحويل الضرر نفسه إلى حساب المعتدي، وذلك بخلاف الجناية على النفس أو البدن مما شرع فيه القصاص؛ فمن قتل يقتل، ومن قطع يقطع؛ لأن هذه الجنايات لا يقطعها إلا عقوبة من جنسها (5) .
من أحكام هذه القاعدة:
1 -لو انتهت مدة إجارة الأرض الزراعية قبل أن يُستَحصَد الزرع فإن الأرض تبقى في يد المستأجر بأجر المثل حتى يستحصد منعًا لضرر المستأجر بقلع الزرع قبل أوانه.
2 -لو باع شيئًا مما يسرع إليه الفساد كالفواكه مثلًا، وغاب المشتري قبل نقد الثمن وقبض المبيع وخيف فساده، فللبائع أن يفسخ البيع ويبيع غيره دفعًا للضرر.
3 -يجوز حبس المشهورين بالدعارة والفساد حتى تظهر توبتهم، ولو لم يثبت عليهم جرم معين بطريق قضائي دفعًا لشرهم؛ لأنهم قد يحتاطون ويتحفظون، فقد يملأون الدنيا فسادًا وإضرارًا ولا يمكن إثبات شيء عليهم بطريق قضائي (6) .
قواعد تتعلق بهذه القاعدة:
يتفرع عن هذه القاعدة ويندرج تحتها ويتعلق بها قواعد، منها:
1 -الضرورات تبيح المحظورات:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)